تدخل البلاد اعتباراً من اليوم في الأسبوع الأخير للانتخابات النيابية على أن تبدأ بعدها مرحلة جديدة بعناوين مختلفة. قد تكون الانتخاباتُ الراهنة الأقلّ حدة مقارنةً بدورات سابقة لثلاثة أسباب أساسية:
 

السبب الأول يرتبط بغياب الانقسام الوطني الحاد الذي كان قائماً في دورة العام 2009 مثلاً، حيث لا يمكن الكلام اليوم عن مواجهة بين معسكرين واصطفافين، بل قد تكون الخلافات داخل المعسكرات توازي الخلافات خارجها، فيما لا مؤشرات إلى عودة تلك الاصطفافات بعد تموضع العهد في الوسط وغياب مصلحته في العودة إلى انقسامات عمودية تنعكس سلباً على إنتاجيّته والاستقرار السياسي القائم، فضلاً عن أنّ معظم القوى السياسية وفي طليعتها «حزب الله» الذي يشكل محور الانقسام بين المؤيّد لسلاحه والرافض له ليس بوارد، حتى إشعار آخر، فتح جبهة داخلية، وبالتالي جميع الأطراف تريد التبريد من دون أن تتخلّى طبعاً عن توجّهاتها الوطنية.

السبب الثاني يتصل بحرص معظم القوى السياسية على عدم تحويل الانتخابات إلى مناسبة لقطع الجسور فيما بينها، وبالتالي تخوض الانتخابات بعناوينها وشعاراتها إنما مع يقينها أنها في ٧ أيار ستعاود طريق الحوار للتلاقي في الحكومة الجديدة، ولذلك تحاول قدر الإمكان التخفيف من الأضرار التي تكون قد خلّفتها الانتخابات.

السبب الثالث يتعلق بقانون الانتخاب بحدّ ذاته الذي ألغى من خلال النسبية المعارك على قاعدة «يا قاتل يا مقتول»، وحوّل المواجهة إلى مزدوجة: مواجهة بين اللوائح من أجل تحصيل الحواصل، ومواجهة داخل اللوائح تحت عنوان الصوت التفضيلي.

وفي حال مرّ الأسبوع الأخير على خير وسلامة على غرار الأسابيع التي سبقته، فتكون دورة ٢٠١٨ الأقل حماوة مقارنة مع الدورات السابقة، فيما لا مؤشرات تدل على أنّ هذا الأسبوع سيختلف جذرياً عن ما سبق على رغم أنّ الأيام الأخيرة غالباً ما تشهد ارتفاعاً بمنسوب الحماوة، ولكن في مطلق الأحوال يجب الإقرار أنّ التركيز انتقل منذ الآن، وحتى قبل ذلك بكثير، إلى ثلاثة جوانب أساسية:

الجانب الأول حكومي وهو المفصل الأساس بعد الانتخابات في ظلّ اعتقاد أنّ التأليف سيتمّ سريعاً لثلاثة أسباب: مصلحة العهد بعدم التأخير وهو مَن قال إنّ عهده يبدأ مع حكومة ما بعد الانتخابات؛ الاستفادة من الدينامية السياسية التي تكون ولّدتها الانتخابات، والعمل ثالثاً على ترجمة المؤتمرات الدولية التي عُقدت أخيراً. والكلام عن تأليف سريع لا يعني في أسبوعين، إنما ما تستدعيه الاستشارات والمشاورات والمفاوضات.

الجانب الثاني رئاسي، إذ على رغم أنّ المجلسَ المنتخب لن يكون بمقدوره انتخاب الرئيس الجديد سوى في حال تمّ التمديد له في ظلّ تزاحم ثلاثة استحقاقات في العام ٢٠٢٢ نيابية وبلدية ورئاسية، فإنّ هناك نوعاً من انطباع أنّ التحضيرَ للمعركة الرئاسية سيبدأ مع مجلس ٢٠١٨.

الجانب الثالث نيابي مع انطلاق عملية تقييمية للقانون الذي تمّت على أساسه الانتخابات بين ثلاث وجهات نظر: وجهة تتمسّك بالقانون، وأخرى تسعى لتغييره، وثالثة تسعى لتطويره استناداً إلى الثغرات التي تكون قد ظهرت بالممارسة.

وفي حال نجح لبنان بتحييد نفسه عن السخونة الإقليمية المتوقعة من الباب الإقليمي والمواجهة المفتوحة بين تل أبيب وطهران، وواشنطن وطهران، فإنّ المرحلة الجديدة ستشهد على ما يبدو اصطفافاً ثابتاً بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري واستطراداً جبران باسيل في مقابل اصطفافات متحرّكة على القطعة على غرار ما شهدته وتشهده هذه المرحلة، ولكن من المتوقع أن يتعمّق التحالف الثنائي لثلاثة اعتبارات:

الاعتبار الأول يتصل بالمقاربة المشترَكة للشأن العام في ظلّ وجود نهج واحد وأسلوب واحد ورؤية واحدة، ولا يبدو أنّ القوى الأخرى في وارد التساهل أو غضّ النظر عن السياسات التي لا تتوافق مع المعايير المطلوبة.

الاعتبار الثاني يتصل بحاجة الحريري إلى مزيد من الالتصاق بالعهد مع التعدّدية السنّية التي تكون قد أفرزتها الانتخابات وقطعاً لطريق على محاولات «حزب الله» التلويح بوجود خيارات أخرى.

الاعتبار الثالث يرتبط بحاجة الوزير جبران باسيل إلى مزيد من الالتصاق بالحريري قطعاً للطريق على خيارات حريرية أخرى، وكون العلاقة مع الحريري تشكل فيزا للعبور إلى الرياض وعواصم العالم، مع الإشارة إلى أنّ الرئاسة مسألة معقّدة ولا يكفي أن يتوافق الحريري وباسيل لفتح طريق بعبدا التي لن تُفتح هذه المرة بالطريقة نفسها.

وفي مطلق الأحوال سيضع العهد في جيبه في 7 أيار الانتخابات ونتائجها للانطلاق إلى مرحلة ما بعد السابع من أيار التي ستتصدّر فيها مبدئياً العناوينُ الحياتية التي تشكل المساحة المشترَكة بين جميع القوى السياسية، فيما الصراع الأساس سيكون حول طريقة إدارة الدولة بين فريق يريد استعادة ثقة الناس بالدولة عن طريق الالتزام بالقوانين والشفافية والمؤسسات الرقابية، وفريق يريد التأسيس على الانتخابات لمواصلة نهجه السابق، فيما العبور إلى تحقيق الإنجازات المطلوبة لن يتمّ سوى من خلال القنوات والآليات المتعارَف عليها، وذلك على غرار ما حصل في ملف الكهرباء الذي لم تُبصر خطته النور إلّا على أثر الالتزام بملاحظات إدارة المناقصات وفي طليعتها إجراء مناقصة جديدة وفق دفتر شروط جديد يفسح في المجال أمام كل الخيارات على البرّ والبحر، ولا يحصر المنافسة بعارض وحيد...

وأخيراً، إنه الأسبوع الأخير الذي ستتأسس عليه توازنات المرحلة المقبلة واستحقاقاتها على أكثر من مستوى وصعيد...