وراء مشهد المعارك الانتخابية الصاخبة والإرباك العام الذي يصيب توجّهات القوى السياسية الوازنة لصوغ التحالفات نتيجة طبيعة القانون الانتخابي الجديد، يتفاعل في الظلّ نزاع إرادات بين لبنان وتل أبيب في شأن إنتاج مسار يفضي إلى اعتماد «خريطة تفاوض» بينهما حول ترسيم الحدود البرّية والبحرية المتصلة بقضية خلافهما على الغاز، وهو المسار الذي كانت زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد الأخيرة لبيروت قد شكّلت صفّارةً لانطلاقته بغطاء أميركي وشِبه دولي تشارك فيه الأمم المتّحدة عبر قوّة «اليونفيل» العاملة في جنوب لبنان
 

حسب معلومات لـ«الجمهورية»، فإنّ مساراً من التفاوض بعيداً من الأضواء جرى خلال الآونة الاخيرة ضمن لقاءات اللجنة الثلاثية في الناقورة، وحقّق، بحسب بعض التسريبات، تقدّماً تريده واشنطن بغية توظيفِه في عملية سحبِ فتيلِ الخلاف على الغاز من نطاق كونِه أحدَ الأسباب الذي قد يتسبّب بالانزلاق الى الحرب، نظراً لتداخلِ ظروف التوتّر الذي يسود الأقليم المحيط بلبنان.

وكان هذا الهدف عكس أجواءَه قبل نحو اسبوعين كلامُ الأمين العام للأمم المتحدة حينما قال إنّه يساوره القلق من أن تتسبّب الاحداث في المنطقة بحرب بين اسرائيل و»حزب الله» سيكون لها نتائج كارثية.

وتأسيساً على ما تسرّبَ لبيروت أخيراً من معطيات منسوبة الى مصادر دولية مهتمة ومتابعة لنزاع الغاز الاسرائيلي ـ اللبناني، فإنّ مجرّد انعقاد اجتماعات اللجنة الثلاثية في الناقورة يعطي إشارةً الى وجود تفاهم اوّلي، أو بكلام أدقّ يؤشر الى أنّ مسعى ساترفيلد دشّن بداية طريقٍ نجَح في سحبِ فتيلِ التوتّر الناتج من الخلاف على البلوك 9 وإنشاء الجدار الاسرائيلي الحدودي، وأرسى مساراً سِلمياً نحو الحلّ، يتوقع أن يتمّ السير فيه بخطى هادئة وبعيدة من الضوضاء الإعلامية وذلك بغية إنضاج نتائجه.

وفي مقابل هذا الرأي المتفائل حول دلالات التهدئة الناتجة من بدء التفاوض حول مشكلات الحدود البرّية والبحرية ضِمن إطار اللجنة الثلاثية في الناقورة المتّسمة بطابع عسكري - تقني وليس سياسياً، فقد توافرت لـ«الجمهورية» معلومات تفيد أنه حتى اللحظة لا يزال مسار هذا التفاوض الذي بدأ فعلياً منذ فترة، يراوح في دائرة صفر نتائج. ويعود سبب ذلك الى أمرين اثنَين أساسيَين:

ـ الأوّل يتعلق بوجود خلاف مبدئي وجوهري بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي حول نقطة أساسية، ومفادها التباين بين إجابات كلّ مِن بيروت وتل ابيب حول سؤال فحواه الآتي: مِن أيّ نقطة برّية يجب بدءُ التفاوض لحسمِ تحديد النقاط البرّية الـ 13 التي يتحفّظ لبنان عنها على طول الخط الأزرق؟

فبيروت تريد أن تبدأ هذه المفاوضات من تحديد نقطة التحفّظ البرّية الموجودة في رأس الناقورة كونها تحدّد مسار الخط الحدودي البحري اللبناني كما تراه بيروت، وليس كما حدّدته إسرائيل من جانب واحد، ما أسفرَ عن اغتصاب نحو 860 كلم مربّع من المنطقة اللبنانية الخالصة.

وفي المقابل تعتمد إسرائيل تكتيكاً تفاوضياً تغطّيه واشنطن معنوياً، وهو يقوم على بدءِ التفاوض على متتالي سبحة نقاط التحفّظ، نقطة رأس الناقورة في نهايته. بمعنى آخر تتبع تل ابيب سياسة تفاوضٍ تقدّم خلالها للبنان رزمة تنازلات حول نقاط حدودية خارج منطقة الناقورة، وعندما يحين موعد نقاش نقطة الناقورة تضع المفاوضَ اللبناني أمام خيار من اثنين: إمّا التسليم لإسرائيل بوجهة نظرها حولَ موقع هذه النقطة، وإمّا رفضُها، ما يجعل اسرائيل تهدّد بأنّ رفض لبنان سيقابله تخلّيها عن كلّ التنازلات التي قدّمتها في شأن نقاط التحفّظ السابقة التي تمّ الاتفاق عليها.

بكلامٍ آخَر تسعى إسرائيل من وراء رفضِها طلبَ لبنان البدءَ بالتفاوض انطلاقاً من نقطة الناقورة، الى تركِ هذه النقطة لتصبحَ بمثابة «جائزة كبرى» تحصل عليها في ربع الساعة الاخير من التفاوض، وذلك في مقابل «جوائز الترضية» التي تقدّمها للبنان في الفترة ما قبل الاخيرة من المفاوضات، والخاصة بالنقاط البرّية الأخرى التي ليس لتحديدها أيّ تداخلٍ يؤثّر على إعادة النظر برسم الخط البحري اللبناني كما تريده تل ابيب.

الأمر الثاني الذي ينتظر أن يكون محلَّ خلاف ساخن خلال الفترة المقبلة في مفاوضات الناقورة يتصل بإمكانية وجود تعديل على نقاط التحفّظ الـ13 قد يلجأ لبنان الى إجرائه في المدى المنظور. وفي هذا المجال تتوقّع معلومات أن يبرز الى العلن في المدى المنظور، نقطة خلاف أُخرى اساسية بين لبنان واسرائيل حول عدد من نقاط الخلاف الموجودة على طول الخط الازرق والتي يسمّيها لبنان «نقاط التحفّظ»، إذ تبلغ هذه النقاط بحسب هذه المعلومات 16 نقطة وليس 13 نقطة فقط.

وتقول مصادر مطّلعة على هذا الملف إنّ الموقف الاسترايتجي الذي يوجّه المفاوض الاسرائيلي في الناقورة هو الحفاظ على الرؤية الامنية التي وضَعها المستوى العسكري الاسرائيلي حينما حدّد نقاط اسرائيل على الخط الازرق. فإسرائيل رسَمت وجودها عليه بحيث تحصل على كلّ المرتفعات التي تُمكّن قواتها من «السيطرة بالنار والبصر» على المساحة اللبنانية الحدودية المقابلة لها.

وستكون هناك صعوبة، بحسب مصادر قريبة من قوات «اليونيفيل»، في إيجاد صيغِ حلّ تُوائمُ بين متطلبات الرؤية العسكرية «الدفاعية» (حسب الوصف الاسرائيلي) من منظارها للخط الازرق، وبين المطالب السيادية اللبنانية التي تدعو إلى تصحيح نقاط الاعتداء الإسرائيلية على هذا الخط.