المرحلة تقتضي أن يقف الجيش اللبناني سدًّا منيعًا أمام كل التجاوزات لأنه وحده من يستطيع تدارك الأمور من الإنفلات
 

ما حصل يوم أمس على امتداد مساحات واسعة في لبنان يجدر التوقف عنده من قبل أي مواطن لبناني ومن قبل أي مسؤول حريص على أمن الوطن والمجتمع الذي نعيش فيه، ولا يمكن معه القبول بتدارك الخطأ بخطأ آخر كاد يهدد السلم الأهلي.
وإنطلاقًا من الفيديو "المسرب" وما تبعه من مواقف وسجالات وتحركات، فإن الكثير من اللبنانيين حبسوا أنفاسهم والتزموا بيوتهم أمام مشهد من مشاهد الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد على مدى ثلاثين عامًا، وكان الخوف سمة اللحظة التي عاشها اللبنانيون على مدى ساعات والجميع يسأل "شو عم بصير"! 
المشهد خطير والمعالجة ضرورة وطنية كبيرة ومسؤولية تتجاوز أي حزب أو تيار أو زعيم، إنها مسؤولية وطن وأمن ومجتمع ومؤسسات.
أخطأ جبران باسيل بلا شك، ولكن هل انتقص من قيمة الرئيس نبيه بري الوطنية والعربية؟ بالتأكيد لا. فكلنا نعلم أن الرئيس بري عنصر أساسي من عناصر التوازن المحلي والإقليمي والدولي، ويشكل الرئيس بري شبكة أمان كبيرة للطائفة والوطن، ولا أحد يستطيع أن يتجاوز حضوره السياسي وفعاليته السياسية المحلية والإقليمية والدولية بأي شكل من الأشكال.

إقرأ أيضًا: تسريب باسيل-الفضيحة... المفارقات والعذر الأقبح من ذنب
إن الفيديو المسرب عن وزير الخارجية جبران باسيل وما تضمنه من إساءة إلى الرئيس بري قد لا يعدو كونه كلاما إنتخابيا وقد يكون في سياق الحملات الإنتخابية التي تستعر يوما بعد يوم، واستعمال هذه المصطلحات قد يحصل في أي حملة إنتخابية وقد نشاهد الكثير من الأمثلة على ذلك في كثير من الدول، ولكن كان على وزير الخارجية جبران باسيل أن يتحسس ألفاظه ويدرس مصطلحاته جيدا وهو كان يعلم أن اللقاء يضم خليطًا سياسيًا من كل الإتجاهات، ويعلم أيضًا أن إطلاق السهام باتجاه شخصيات ورموز وطنية قد يؤدي في وطننا إلى ما لا يحمد عقباه وهو الأمر الذي شاهدناه جميعًا يوم أمس.
إن لبنان كان ولا يزال ويجب أن يبقى وطن الشراكة والعيش المشترك ولا يمكن لأحد أن يلغي أحدًا في ألف باء السياسة اللبنانية "وما حدا بيقدر يكسر راس حدا" سواء قصد ذلك أم لم يقصده، ويجب أن يكون الجميع أمام قوة المنطق وليس منطق القوة، وهو المشهد المأساوي الذي رأيناه يوم أمس حيث أن انفلات الشارع لم يكن في مصلحة الأمن الوطني ولا في مصلحة الأشقاء في حركة أمل، وليس في مصلحة أي مواطن لبناني، وبالتالي فإن العودة إلى الهدوء والتروي والحوار هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة ولحل كل المشاكل العالقة.
وعلى اللبنانيين جميعًا أن يفهوا أن منطق الشراكة وقبول الآخر هو الأساس ويجب أن يقبله الجميع ويؤمن به الزعيم قبل المواطن.

إقرأ أيضًا: أزمة بري وباسيل لن تمر مرور الكرام
وإذا كان جبران باسيل يتصرف على قاعدة شدّ العصب المسيحي على مشارف موسم الإنتخابات ليكون الزعيم المسيحي القوي ويستعيد صورة بشير جميل فإن المرحلة اليوم تختلف عما سبقها بكثير وقد لا تبدو هذه الصورة ملائمة للبنان الجديد بمسيحييه ومسلميه.
كما أن مشاهد استعراض القوة يوم أمس في عدد من شوارع بيروت لم يُفهم المغزى منه بعد، فهل أرادت حركة أمل تقديم نفسها كمدافع عن الطائفة الشيعية وحقوقها داخل النظام فيما تعتبر قوة حزب الله مشغولة خارج النظام والكيان اللبناني؟
المرحلة تقتضي أن يقف الجيش اللبناني سدًّا منيعًا أمام كل التجاوزات لأنه وحده من يستطيع تدارك الأمور من الإنفلات، والمسؤولية السياسية على رؤساء الأحزاب والزعماء كبيرة في تحصين البلد من أي اختراق وتمتين أواصر السلم الأهلي ولا شك أن الرئيس بري سيتجاوز هذه الإساءة كونه كان ولا يزال الضامن والحامي الأساسي للسلم الأهلي.
وعلى وزير العدل أن يكون على مستوى المسؤولية بعيدًا عن أي انتماء سياسي ويبادر إلى التحرك والمحاسبة لوضع حد لكل التجاوزات التي حصلت على أرض الواقع الحقيقي دون الإكتفاء بالتحرك على صفحات الواقع الإفتراضي.