كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية": لن يحمل الحديث عن الدور الروسي المتعاظم في المنطقة أيّ مفاجأة. فانطلاقاً من القاعدتين البحرية القديمة في طرطوس والجوية المُحدَثة في حميميم، بات "القيصر" مُمسكاً بمفتاح الأزمة السورية وهو ما دفع أحد الديبلوماسيين الى القول "إنّ القيصر سيحكم "سوريا الجديدة" من "عاصمتها" الجديدة "حميميم"، قبل أو بعد التجديد له حاكماً لـ "روسيا القديمة". فما الذي يقود الى هذه المعادلة بوجهيها؟


تزخَر التقارير الدّيبلوماسية الواردة من موسكو عن التحضيرات الجارية فيها لحدَثَين كبيرين ستنطلق لأجلهما ورشتان روسيّتان كبيرتان في مطلع السنة الجديدة. الأولى تُعنى بمؤتمر "شعوب سوريا" في سوتشي والذي حُدّد موعده في نهاية الشهر المقبل، أي قبل موعد انطلاق الورشة الثانية المخصّصة للإنتخابات الروسية.

فالروس مدعوّون إلى التجديد للرئيس فلاديمير بوتين في 18 آذار المقبل لولاية ثانية وأخيرة كما يقول الدستور. إذ على الرئيس الروسي المنتخب لولايتين متتاليَتين أن ينتظر نهاية الولاية الثالثة الكاملة قبل أن يحقّ له الترشح مجدداً للرئاسة.

ومن بين المعلومات المتداولة على نطاق ضيّق حول الورشة الأولى، أنّ بوتين ابلغ الى من اتصل بهم ومن التقاهم في الأيام القليلة الماضية في جولته الأخيرة على حميميم والقاهرة بعد طهران وأنقرة، أنّه آن الأوان لوقف كلّ الخطط التي تتحدّث عن عمليات عسكرية كبيرة يمكن أن تُغيّر في "خطوط التماس الموقتة" في سوريا، وأنّ الإنتقال بات حتمياً لتطبيق الإجراءات التي تعهد بها الأطراف الإقليميّون والدوليون لضمان تشكيل "المناطق الآمنة" في سوريا وفق الآليات المحدّدة.

وكل ذلك تمهيداً للبحث في المخارج السياسية للأزمة لفكفكة العقد التي يجري تداولها في الكواليس الديبلوماسية لدخول المرحلة السياسية بموجباتها الدستورية والسياسية كافة.

تزامناً مع هذه التوجّهات الروسية المحكي عنها، كانت كلّ التقارير التي ورَدت من أكثر من من عاصمة، وخصوصاً من واشنطن والرياض وطهران وانقرة تشير الى أنّ موسكو تحولت العاصمة الوحيدة المفتوحة، والقادرة على إستقبال أيّ من ممثلي النظام ومعارضيه على حد سواء، وإن كان بوتين قد واصل اتصالاته بمختلف قادة العالم من دون أي حرج، فلن يقفل بعد اليوم أياً من أبواب الدول المتدخلة في الأزمة السورية أمام أيّ ديبلوماسي أو موفد روسي.

وفي التفاصيل المتصلة بالأزمة السورية، برزت خطوة روسية لافتة شكلت ترجمة لما بلغته المفاوضات التي تجريها موسكو في الخفاء، سواء في اروقة الأمم المتحدة في نيويورك ومع واشنطن والرياض وغيرها من الدول، عندما طرح الجانب الروسي خلال الجولة الأخيرة من محادثات آستانة التي خُصِّصت لوقف النار وتعزيز المناطق الآمنة، على ممثّلي "وفد الرياض" للمعارضة وممثلي النظام، "المسودة الأولى" لـ"الدستور السوري الجديد" كما وضعته موسكو وجهدت في سبيله على مدى العامين الماضيين في مهمة واكبت التدخل العسكري الروسي في اليوم الاول من خريف العام 2015 والذي قلب مجريات الأزمة السورية رأساً على عقب، وذلك بهدف الإسراع في الإنتقال من المفاوضات العسكرية الى الآليات السياسية للأزمة.

وأشارت التقارير الديبلوماسية الى أنّ الخطوة الروسية لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة مفاوضات أعطيت فيها موسكو هامشاً أوسع للمبادرة في اتجاه تغيير مجريات الأزمة السورية وبداية طرح الحلول للمرحلة الإنتقالية والتي لا يمكن أن تكون إلّا سياسية.

وعلى خلفية ان تكون بإدارة روسية من دون ان تغفل في مشاوراتها المفتوحة آراء بقية الأطراف الدوليين والإقليميين، بحيث تشرف على توزيع المغانم على الجميع، وعلى اكثر من مستوى، ولا سيما في ورشة الإعمار المتوقعة ما بعد سنة 2019 أو بدايتها، إن تمت المراحل السياسية المنتظرة وفق المراحل المقدرة لإتمامها.


اما على مستوى التحضيرات للإستحقاق الرئاسي الروسي، فقد تحدثت التقارير الديبلوماسية عن معركة رئاسية سهلة بالنسبة الى بوتين الذي لا يبحث عن نجاحه المضمون، بل إنه يرغب في أن يكون ساحقاً بعدما سخّر له كل إنجازاته الخارجية ولا سيما السورية منها، ولتأتي نتائج التصويت بأكثرية شعبية تزيد على نسبة الـ 87 في المئة المضمونة له وفق الدراسات التي أجرتها مؤسّسات دولية كبرى لمعاينة مزاح الشعب الروسي المدعو الى المشاركة في الإنتخابات الرئاسية المقبلة.

وبالتأكيد تجزم هذه التقارير أنّه وإن كان لبوتين خمسة منافسين في دورة الرابع من آذار 2011 للإنتخابات الرئاسية قد يكون له منافسون بالعدد نفسه او اكثر هذه المرة.

ولكن المفارقة هذه المرة تقول إن العالم لم يحفظ من منافسيه في السباق الى الكرملين عام 2011 سوى اسم واحد هو رئيس الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية غينادي زوغانوف، فيما حفظ الروس اسماء الخمسة، ولكن هذه المرة قد لا يحفظ الروس ولا العالم إسم أيّ من منافسيه.

وعليه وبناء على ما تقدم، لن يكون صعباً على المراقبين الوصول الى معادلة جديدة تحكم مستقبل القيصر الروسي سنة 2018 والتي تقول بما معناه: «إنّ بوتين وإن لم يحكم سوريا قبل التجديد له في رئاسة روسيا، فإنّ سنة 2018 لن تنتهي إلّا وسيكون القيصر حاكماً لسوريا وروسيا معاً».