على وَقع ردات الفعل المتشعبة التي تركتها مجموعة القمم الثنائية التي عقدت على هامش «قمة جدة للأمن والتنمية»، تجهد المراجع الديبلوماسية لمعرفة ما جرى في كواليسها. وفي الوقت الذي غاب لبنان عن طاولتها، فقد حضر ملفه في مجموعة من أوراقها بلغة استنسخت البيانات الدولية والخليجية السابقة. وقبل ان تنضَح «قمة طهران» بما سينتج منها، لن تكتمل الصورة لتقدير نصيب لبنان من الاهتمام الدولي. وعليه، ما الذي تبين حتى اليوم؟

امّا وقد عاد الرئيس الأميركي جو بايدن الى واشنطن فقد انصرفت الأوساط السياسية والديبلوماسية إلى قراءة نتائج الجولة الشرق أوسطية التي قام بها على مدى أربعة ايام، والتي شملت جميع المعنيين بالقضية اللبنانية من جوانبها السياسية والاقتصادية والنفطية الى كل ما يرتبط بأمن المنطقة وبرامج التنمية فيها على وقع مجموعة الازمات الدولية التي أغرقتها ومعها العالم بمزيد من تردداتها السلبية التي طالت مختلف القطاعات من دون استثناء.

 


وبمعزل عن القضايا الكبرى التي كانت موضوع زيارة بايدن منذ لحظة وصوله الى الأراضي المحتلة ومناطق السلطة الفلسطينية وصولاً الى المشاركة في «قمة جدة» ومجموعة القمم التي عقدت على هامشها، لم ينضَح من زيارة بايدن في شقها الاسرائيلي والفلسطيني الأول سوى المواقف التي أطلقها الوسيط الاميركي في ملف مفاوضات الترسيم عاموس هوكشتاين وما أوحَت به بيانات وزارتي الخارجية والدفاع الاميركية، وما اشارت اليه وسائل الاعلام الاسرائيلية عن التقدم الذي أحدثه في تقريب وجهات النظر بين لبنان واسرائيل في شأن الترسيم البحري لحقول الغاز والنفط في انتظار مزيد من التفاصيل التي سينقلها هوكشتاين إلى بيروت قبل نهاية الشهر الجاري ان صَحّت توقعات المسؤولين اللبنانيين الكبار.

 

وان توجّهت الانظار الى لقاءات جدة التي سبقت القمة، ولا سيما منها اللقاء البروتوكولي القصير الذي عقد بين بايدن والملك سلمان بن عبد العزيز، فإنّ من الواجب التوقف أمام «لقاء القمة الثنائي» الذي جمعه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حضور اعضاء الوفدين على قاعدة «من الند الى الند» كما وصفته القيادة السعودية بمعزل عن الشكليات التي توقّف عندها البعض في طريقة استقبال بايدن من المطار الى «قصر السلام» ان تمّت المقارنة بين ما رافَق هذه الزيارة وما شهدته زيارة سلفه دونالد ترامب في نيسان 2017، فإنّ النتائج العملية أوحَت بما انتهت إليه الزيارة الاولى بفوارق شكلية.

 

وللدلالة الى هذه النظرية العملية، فإنّ التمعّن بمضمون الاتفاقيات الـ 18 التي تم التوقيع عليها بين الطرفين شكّلت امتداداً لكل ما شملته زيارة ترامب قبل 5 سنوات و3 أشهر، لمجرد أنها وقعت تحت سقف «رؤية المملكة 2020 - 2030» التي أطلقها ولي العهد السعودي ومهّدت لها الاتفاقيات السابقة مع ترامب على قاعدة التعاون في مختلف المجالات نتيجة شكل وحجم الفرَص الواسعة للاستثمار في القطاعات السعودية الواعدة. فالعودة إلى عناوين هذه الاتفاقيات التي وقّعها وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان ووزراء الاستثمار والاتصالات والصحة في السعودية مع نظرائهم في الولايات المتحدة ومعها مجموعة من مذكرات للتعاون المشترك في مجالات الطاقة والاستثمار والاتصالات والفضاء والصحة كانت كافية ليُضاف إليها تلك التي شملت التعاون الصناعي والعسكري والتنسيق الكامل في مواجهة الارهاب الدولي بما فيه المخاطر الناجمة من القدرات الايرانية النووية المتنامية والصواريخ البالستية.

 

وانطلاقاً من هذه المؤشرات، فإنّ البحث عن حصة لبنان الذي كان غائباً عن «الطاولة المستديرة» - وبمعزل عن الظروف المعلنة التي غَيّبته عنها - فإنّ النظر الى بقية البيانات يؤكد انّ ملفه كان حاضراً في معظمها وقد خصّصت له بنود منفصلة عن بقية الازمات الدولية والاقليمية والخليجية. وعليه، فإنّ التمعّن في مضمون بيان القمة الموسّعة النهائي وما صدر عن القمم الثنائية على هامشها، كتلك التي صدرت عن الجانب الاميركي والسعودي أو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، يفرض التوقّف عند الفقرة الخاصة بلبنان يالت جاءت مُستنسخة عن بعضها الى درجة يمكن مقارنتها بما صدر في السنتين الماضيتين من بيانات صدرت عن القمم الفرنسية - الخليجية وتلك التي صدرت عن مجلس التعاون الخليجي بإصرار لافت على عناوين عدة باتت على كل شفة ولسان.

 

وعلى رغم من وقوع البند الخاص بلبنان في مرتبة مختلفة على لائحة الازمات التي صدرت في شأنها المواقف المشتركة فإنها ركّزت على أدقّ التفاصيل منها، تلك التي اشارت الى «دعمهم سيادة لبنان، وأمنه واستقراره، وجميع الإصلاحات اللازمة لتحقيق تعافيه الاقتصادي». وبعد الاشادة بالانتخابات النيابية، دعت «جميع الأطراف اللبنانية لاحترام الدستور والمواعيد الدستورية في اشارة الى انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية. كما اشادت القمة بـ»جهود أصدقاء وشركاء لبنان في استعادة وتعزيز الثقة والتعاون بين لبنان ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية» مع التنويه خصوصاً بـ»مبادرات دولة الكويت الرامية إلى بناء العمل المشترك فيما بينها»، وإعلان دولة قطر الأخير عن دعمها المباشر لمرتّبات الجيش اللبناني.

 

وبعد ان دخل البيان في أدق التفاصيل عندما تناولَ مرتّبات الجيش اللبناني «أكدت الولايات المتحدة عزمها على تطوير برنامج مُماثل لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي» قبل التنويه بالدعم الذي قدّمه العراق «في مجالات الطاقة والإغاثة الإنسانية». ولم ينس البيان أن يشير الى دعوة «جميع أصدقاء لبنان للانضمام الى الجهود الرامية الى بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على جميع اراضيها، بما في ذلك تنفيذ أحكام وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة واتفاق الطائف، من أجل أن تمارس سيادتها الكاملة فلا يكون هناك أسلحة إلّا بموافقة الحكومة اللبنانية، ولا تكون هناك سلطة سوى سلطتها».

 

وعليه، طرحت بعض الاسئلة في الاندية الديبلوماسية، ومنها: لو كان لبنان حاضراً في هذه القمة فهل كان سيحصل على أكثر ممّا ناله منها؟ وقبل ان ينتظر احد اي جواب يعترف العارفون انّ السياسة التي اعتمدها الحكم في لبنان عَزلته عن مثل هذه القمم، ولذلك فإنّ الترحيب اللبناني بنتائجها لم يقدّم ولن يؤخر ولن يكون له اي قيمة، خصوصاً اذا صدر عمّن تعنيه ملاحظاتها ومن يحمّلونهم مسؤولية الانتقال بلبنان من حال «النأي بالنفس» الى ركوب موجة المحاور الاقليمية والدولية ولم يتجاوب يوماً مع مضمونها في ظل المناكفات الحكومية والسياسية المستمرة والفشل في ادارة الخدمات العامة التي شارفت على الغياب الكلي عن مختلف حاجات اللبنانيين.

 

والى مُجمل هذه الاسئلة والملاحظات السلبية طُرح سؤال آخر عن أسباب تغييب لبنان عن «قمة طهران»، وان كان الجواب ليس صعباً، ففيه ما يستحق انتظار نتائجها؟