ليست المرة الأولى التي تزور فيها الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوّضية الأوروبية فيديريكا موغريني بيروت، وعلى رغم ذلك فقد شكلت زيارتُها هذه مظهراً من مظاهر الدعم الإستثنائي للبنان على مستوى الإتّحاد الأوروبي الذي تقود فيه السياسة الخارجية ومجموعة الدعم الدولية، ما منحها ميزاتٍ إضافية، فالبلدُ الصغير خرج للتو من أزمة كبرى بمساهمةٍ فاعلة لهذه المجموعة. فما الذي أرادته موغريني من رسائل؟
 

بعد أقلّ من أسبوعين على المؤتمر الذي انعقد في باريس بدعوة من فرنسا باسْم المجموعة الدولية الداعمة للبنان، شهدت بيروت حراكاً أوروبياً غير مسبوق لترجمة الأجواء الداعمة للبنان في مواجهة مسلسل الأزمات المتتالية التي شهدها سواءٌ تلك التي نجمت من الاستقالة التي أعلنها الحريري من الرياض وتداعياتها مروراً بمرحلة «التريّث» ووصولاً الى إحياء العمل بمبدأ «النأي بالنفس» أو تلك التي نجمت من استمرار الأزمة السورية وانعكاساتها على البلد الصغير بحكم الجيرة.

وفي ظلّ انْشغال المسؤولين اللبنانيين بمجموعة من الإستحقاقات العادية المؤجّلة والناجمة من العجز الحكومي في مواجهة بعض الأزمات أو تلك التي تسبّبت بها المناكفات الداخلية بدا التحرّكُ الأوروبي نافراً لمجرّد تجاوزه كل المعطيات الداخلية السلبية لمدّ يد العون للبنان على كل المستويات.

ومن هذه الخلفيات بالذات يتطلّع المسؤولون اللبنانيون الى الحراك الأوروبي الذي قادته موغريني في موازة وجود موفدَين فرنسي وإيطالي في بيروت استعداداً للمؤتمرات المقرَّرة لدعم لبنان في النصف الأول من السنة المقبلة تنفيذاً لمقرّرات مؤتمر باريس.

وفي موازاة زيارة موغريني هذه، كان لافتاً وجود أحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الفرنسية المكلّف التحضير للمؤتمر الاقتصادي لدعم الاستثمار في لبنان السفير بيار دوكازن والمستشار في وزارة الخارجية الإيطالية السيد كارلو باتوري المكلّف التحضيرات اللازمة لعقد المؤتمر الدولي حول دعم القوات المسلّحة اللبنانية في روما اللذين شكّلت زيارتُهما دفعاً للتحضيرات لمؤتمرات روما وبروكسل وباريس.

وانطلاقاً من الربط بين مهمات المسؤولين الثلاثة وتكاملها فقد تلاقى المسؤولون اللبنانيون والأوروبيون على التنويه بحجم الدعم الأوروبي المتوقع لتجاوز آثار الأزمات التي عصفت بلبنان خلال سنة 2017 بما يوحي أنّ المظلة الدولية التي حمته ما زالت قائمة وما على اللبنانيين سوى ملاقاتها بالتزام ما تعهّد به أهل السلطة وتنفيذ تعهّدات سابقة تجاوزوها في أكثر من محطة.

وعليه، فقد لاحظ المراقبون أنّ موغريني لم تتوقف مع المسؤولين اللبنانيين عند مظاهر الدعم للبنان بمقدار ما أرادت الإطّلاع على آرائهم في التوجّهات الأوروبية إزاء تطوّرات الأزمتين السورية والعراقية وصولاً الى ما تعانيه دول الخليج من نزاع بات يُنظَر اليه على أنه امتدادٌ طبيعي لهاتين الأزمتين. فهي تدرك أنّ المنخرطين فيهما من قوى إقليمية ودولية هم أنفسهم.

ولذلك أصرّت موغريني على استطلاع رأي اللبنانيين من أزمة الإعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً نهائيةً لإسرائيل والتردّدات التي يمكن لقرار الرئيس دونالد ترامب أن يحدثها وقد تهدّد العملية السلمية وما أُنجز منها.

وفي الوقت الذي أصرّت موغريني على التوجّهات الأوروبية الثابتة تجاه هذه الأزمات ورفضها الشديد للقرار الأميركي الأخير، سألت عن مدى استعداد اللبنانيين لممارسة سياسة «النأي بالنفس» التي اعتُمدت مخرجاً للأزمة الحكومية التي هدّدت الإنجازات التي تحقّقت في الأشهر الأخيرة في مواجهة الإرهاب وأزمة النازحين وتداعياتها.

وكشفت مراجع ديبلوماسية أوروبية أنّ موغريني لم ترصد قراءةً لبنانيةً واحدةً لأزمات المنطقة. ونُقِل عن أحد مساعديها قوله «إنّ الرؤية اللبنانية تجاه كل التطوّرات لم تكن متناسقةً بكاملها.

فما خلا الإشارة الى ما سمّاه القادة اللبنانيون أمامها «الإنتصار على الإرهاب» و»الوحدة الوطنية» التي تجلّت مع استقالة رئيس الحكومة من الرياض لم يظهر أنّها اطمأنّت الى إمكان نجاح اللبنانيين في حماية سياسة «النأي بالنفس» وهو ما دفعها الى التحذير من ردّات الفعل الدولية ما لم يتم تنفيذ هذا السياسة بكاملها».

وأضافت هذه المراجع أنّ موغريني كانت واضحة في تعبيرها عن نوع من القلق ترجمته في تقويمها لنتائج لقاءاتها، معتبرةً أنّ سياسة «النأي بالنفس» أمر أساسي بالنسبة الى أوروبا والعالم الداعمَين للبنان وهما يتوقعان «أنّ تطبّق الأطراف اللبنانية كافة هذه السياسة التي التزمت بها» من دون أيّ مواربة أو خروج على التعهّدات التي قابلها الاتّحاد الأوروبي بالدعم المطلق وهو الذي ربما كان وما زال «القوة الوحيدة في العالم التي لها علاقات مع مختلف الجهات الفاعلة في المنطقة».

وعليه، دعا أحد الديبلوماسيين الأوروبيين الى اعتبار الحراك الأوروبي مظهراً من مظاهر استمرار الرعاية الدولية والأممية للبنان. معتبراً أنّ موغريني بما لديها من رغبة شخصية وما تمثله لمساعدة لبنان تبدو كأنها «جرّافة» الدعم الأوروبي والدولي وأنّ نصائحها لا بدّ من أن تلاقي آذاناً صاغية.

فلبنان هذه المرة تحت المجهر الدولي والأممي، وينبغي عدم التفريط بما هو متوافر من دعم لأنه فرصة قد لا تتكرّر مرة أخرى.
لدى موغريني بما تمثل النية لدعم لبنان شرط أن يلاقيها اللبنانيون وإلّا!؟