قد تكون المرة الأولى التي تنتفض فيها المؤسسات العامة وتعلن إضراباً مفتوحاً بدءاً من أمس تزامناً مع الإستعدادات للتظاهر والإعتصام رفضاً لمضمون التعميم الخاص الذي أصدره رئيس الحكومة سعد الحريري لترجمة سلسلة الرتب والرواتب وشكّل سابقة في التعاطي مع المؤسسات العامة بعدما تجاهل كثيراً من الحقوق المكتسبة وخصوصيّاتها وميّز في ما بينها والإدارة العامة الى الحدود القصوى. فما هي الحكاية؟
 

لا يمكن المراقبين إخفاء الإهمال الرسمي والحكومي خصوصاً لمطالب مستخدمي المؤسسات العامة غير الخاضعة لقانون العمل منذ صدور سلسلة الرتب والرواتب الجديدة وفق القانون الرقم 46 /2017 في 21 آب الماضي والتي طال انتظار تطبيقها اكثر من اربعة أشهر حتى اليوم.


فالقانون الجديد للسلسلة الذي طُبّق اولاً على مستوى المؤسسات العسكرية والأمنية قبل أن يعمَّم تنفيذُه على الوزارات والإدارات العامة باستثناء المؤسسات العامة والمصالح المستقلّة التي تلجأ عادة الى اصدار المراسيم الخاصة بها عملاً بما تقول به القوانين التي تميّز بين مستخدميها من المديرين والموظفين والإدارات العامة وبعض القطاعات التي تتمتّع بسلاسل خاصة بها كالقضاة واساتذة الجامعة اللبنانية والمعلمين وبعض المؤسسات كالصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وغيره من المؤسسات الشبيهة.


وفي الوقت الذي باشرت المؤسسات العامة السعي الى استصدار المراسيم الخاصة بها إصطدمت برفض وزارة المال الحفاظ على بعض مكتسباتها ومساواتها بموظفي القطاع العام لجهة رفض إعطائها الدرجات الثلاث الإستثنائية على رغم الآراء الإيجابية التي صدرت عن مجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة على قاعدة المساواة بين الموظفين وتطبيقاً لما جاء في إحدى مواد القانون التي ربطت بين الأمرَين معاً.


وفيما كانت المراسيم تتنقل بين مجلس الخدمة المدنية ومجلس شورى الدولة ووزارة المال جاءت استقالة رئيس الحكومة من الرياض بداية الشهر الماضي والتداعيات التي تركتها مروراً بفترة «التريّث الحكومي» الى حين العودة عنها مطلع الشهر الجاري لتزيد في الطين بلة.

وفي هذه الأثناء اطلق المدراء العامون في هذه المؤسسات حراكاً واسعاً للفت النظر الى الظلم اللاحق بهم والذي أفرغ السلسلة من مضمونها، فعقدوا إجتماعات تنسيقية لتوحيد الجهود تزامناً مع تشكيل لجنة وزارية مهمتها تحديد آليات تطبيق القانون على مستوى هذه المؤسسات.

وما كان لافتاً أنها تجاهلت صرخات المدراء والمستخدمين وتجاهلت كل المراجعات والحراك القائم، حتى إنّ طلباً لضمّ مَن يمثلهم الى هذه اللجنة قد رُفض على رغم التهديدات التي أُطلقت بالإضراب والتظاهر.


وقبل أن تكتمل دورة المعالجات الجارية، وعلى وقع الدعوة الى الإضراب المفتوح الذي وُجِّهت الدعوة اليه ليل الخميس ـ الجمعة الماضي فوجئ المدراء العامون والمستخدمون في هذه المؤسسات في اليوم التالي بصدور التعميم الشهير عن رئيس الحكومة في 15 الجاري والذي حدّد آلية تطبيق القانون الخاص بالسلسلة في هذه المؤسسات.

فجاء وفق الدراسات القانونية الأوّلية التي وضعها المكلّفون هذه المهمات ليجرّدَهم من الحقوق المكتسَبة التي تتمتّع بها بعض المؤسسات قياساً على إختصاصاتها ومهماتها المتمايزة فارتفعت لهجة التهديد والوعيد في مواجهة ما يسمّونه «الآذان الصماء» التي واجهتهم وسط التحضير للقاءاتٍ نوَت عقدَها مع كل من رئيس الجمهورية ورئيسَي المجلس النيابي والحكومة واعضاء اللجنة الوزراية لشرح اوضاعهم المأسوية وخصوصاً أنهم يطبّقون مفاعيل قانون السلسلة بلا أيِّ مقابل وإنّ رواتبَهم تراجعت على مدى أشهر الإنتظار بنسب متفاوتة بين 30 و40%. وبعدما وُضعت الكتب التي خُصِّصت لطلب المواعيد طُوِيت الخطوة قبل أن تنطلق.

وتوقف المعنيون في المؤسسات العامة عند شكل تعميم رئيس الحكومة ومضمونه فسجّلوا ملاحظات ابرزها:

- شكّل التعميم تجاوزاً خطيراً لما يقول به القانون الإداري من خلال تجاوز الصلاحيات، فالتعميم ليس بديلاً من المراسيم التطبيقية لتطبيق أيّ قانون.

- تجاوز التعميم صلاحيات الوزراء المعنيين، سواءٌ وزير المال أو الوزراء المكلّفين مهمة الوصاية على هذه المؤسسات، كل حسب اختصاصه.


- خرج التعميم بتصنيف جديد يعزّز الشرخ بين موظفي الإدارة العامة ومستخدمي المؤسسات العامة وبنى فوارق في رتبهم ورواتبهم لا يمكن البناء عليها لتأكيد مبدأ المساواة أمام القانون عدا عن الفارق السابق بحرمانهم من تقديمات تعاونية الموظفين ومن نظام التقاعد أسوةً ببقيّة موظفي الدولة.

- تجاوز التعميم الخصوصيات والمكتسبات الخاصة التي مرّت عليها سنوات في بعض المؤسسات ومهماتها منذ تأسيسها الى اليوم. وخصوصاً أنها مؤسسات أُنشِئت وكُلّفت لتقوم بالمهمات التي لا تقوم بها الوزارات والهيئات الرسمية الأخرى وهي تتمتع بإستقلالية حُدِّدت سلفاً في القوانين والأنظمة المعمول بها وكان من الواجب حمايتها وتحاشي المَسّ بها.


ويعترف أحد المسؤولين أنّ هذه الملاحظات تشكّل غيضاً من فيض، وأنّ دراساتٍ قانونية ودستورية معمّقة يجرى إعدادُها للدخول في كثير من التفاصيل التي تحدّد الخروقات القانونية وكل أشكال الخروج عن القوانين المرعيّة الإجراء، عدا عن التحذير المسبَق من القضاء على روح المبادرة التي تحلّى بها المستخدمون والمتعاقدون فيها، والتي تميّزهم في أثناء أداء مهماتهم المتخصّصة وهو ما دفع الى السؤال: مَن أعدّ هذا التعميم في شكله ومضمونه؟ لا بل مَن «ورّط» رئيس الحكومة بهذه المشكلة؟

ومَن اراد تعميق الهوّة بين موظفي الدولة ومؤسساتها؟ وهل سيردّ المسؤولون على الحراك الذي سينطلق بتظاهرة كبرى اليوم من أمام السراي الحكومي الكبير؟ أم إنهم متروكون لقدرهم؟