الى جانب التحقيق الذي بدأته مديريةُ المخابرات في الجيش اللبناني، وعلى وقع الحزن في بيوت العسكريين الشهداء ومحيطها، تعجّ البلاد بمجموعة من «التحقيقات الرديفة» توثّق ما جرى باختيار أحداث دون أخرى وتسوّق لها افلام قصيرة بتقنيّة عالية ورسائل نصّية مختارة يجري تعميمها للتصويب على فئة محدّدة وتحميلها المسؤولية. وعليه فقد طُرِح سؤال: أيّ تحقيق سيسبق الآخر؟
 

توقفت مراجع سياسية مراقبة امام الأحداث الأخيرة التي رافقت الدعوة الى التحقيق في ما حصل قبل ثلاث سنوات، وتحديداً بعد أحداث
2 آب في عرسال بقراءة هادئة لمختلف الدعوات التي وُجّهت لهذه الغاية.

فتوصّلت الى تصنيف الدعوات، سواءٌ تلك الشرعية التي تجري على مستوى مديرية المخابرات، او تلك التي تبنّتها جهات سياسية وشخصيات مختلفة تنادي بها وهو ما أدّى النظر اليها بعيون مختلفة، فلكل منها هدفٌ مغاير عن الآخر.

فإلى الهدف الذي حدّده رئيسُ الجمهورية وشدّد عليه في أكثر من مناسبة، وخصوصاً عندما غرّد قائلاً إنّ «من حق اللبنانيين وليس فقط أهل الشهداء معرفة ما حصل فاتركوا التحقيق يأخذ مجراه ولا تستبقوه سواءٌ بتوزيع الاتهامات أو بتوزيع شهادات البراءة». نمت وتوسعت على يمين مواقف الرئيس ويسارها دعواتٌ أخرى يجرى التسويق لها بأشكال مختلفة ومن مواقع متعددة وبألسن متناقضة الى حدّ بعيد.

وبمعزل عما يجري عبر المؤسسات الشرعية العدلية والقضائية وتلك العسكرية، واستناداً الى مجموعة من المواد القانونية والصلاحيات التي أناطها الدستور برئيس الجمهورية ووزارة العدل والنيابات العامة فقد توقفت مراجع مراقبة أمام ما يجري خارجها في محاكمة سياسية وحزبية.

فقبل خطوة عون وبعدها تكدّست المواقف والدعوات وكان أبرزها لوزراء أشاروا مسبَقاً الى مَن يمكن أن تستهدفَهم التحقيقات من الضباط السابقين والمدنيين والحزبيين ومسؤولين من مواقع مختلفة بالإستناد الى ما في التحقيقات من أوراق ومن بينها تصريحات صحافية ومتلفزة وزيارات لمسؤولين من 14 آذار الى عرسال وما رافقها من حراك مدني ووثائق عسكرية سيستند اليها التحقيق للإدانة بشكل من الأشكال وصولاً الى المناقشات التي شهدها مجلسُ الوزراء في تلك المرحلة.

وعلى وقع سيل من مواقف قياديّين حزبيين من «التيار الوطني الحر» وإعلاميين من محور 8 آذار سابقاً، لفت أنّ بعضاً من الخطوات تبلّغها المعنيون والمراقبون من إحدى الصحف التي كشفت عن قرار بتوقيف الشيخ مصطفى الحجيري الملقب «ابوطاقية» وهو قرار يُفترض أن يبقى سرّياً فحوصر مقرُّه في اليوم نفسه بهدف توقيفه وإحضاره أمام المحققين إستناداً الى التحقيقات التي بوشرت مع نجله عبيدة.

وفي هذه الأجواء وبعد «العجز» أو «التريّث» في توقيف «ابو طاقية» استدعت مديرية المخابرات رئيسَ بلدية عرسال السابق علي الحجيري الملقّب «ابو عجينة» الى التحقيق وأوقفته استناداً الى ما أدلى به من اعترافات لم تتناول حسب ما سُرِّب منها أيّ مفاجأة تعني مصير العسكريين الشهداء، بل قيل إنه أوقف على خلفية مشاركته في خطف «مجموعة فتيات روسيات» من زحلة لنقلهن الى جرود عرسال لقاء فدية مالية بملايين الدولارات.

وما بين هذه المواقف، وعلى هامش التحقيق العسكري، يبدو أنّ هناك تحقيقات أخرى مفتوحة على صفحات الصحف وعبر وسائل التواصل الإجتماعي والهواتف النقالة.

ولهذه الغاية عمّمت في الأيام القليلة الماضية مجموعة من الأفلام الوثائقية التي تؤرّخ لتلك المرحلة بتقنية عالية يتقنها الإعلام الحربي ومؤسسات إعلامية محترفة دون سواها تعيد التذكيرَ بالإعتداءات على الجيش التي بدأت منذ العام 2011 باستشهاد ضباط وعسكريين وعمليات استهدفت دوريات للجيش في المنطقة وصولاً الى «غزوة 2 آب» التي استهدفت مراكزه عقب توقيف أحد قادة «داعش».

كذلك شملت التسريبات، بالإضافة الى التحقيقات مع موقوفي داعش والتي يُفترض أن تبقى سرّية ايضاً، الحزب التقدمي الإشتراكي المتهم بنقل أموال الى «داعش» تولّى نقلها الوزير وائل ابو فاعور بسيارته الخاصة.

واللافت في هذه الحملة التي عمّت على وسائل التواصل الإجتماعي أنها اختارت أحداثاً وقعت في الداخل بالتفصيل من دون الإشارة الى ما سبقها وتلاها وخصوصا تلك التي تسبّبت بها ولا سيما منها ما كان يجري على المقلب الآخر من الحدود في الأراضي السورية من مجازر ومعارك أدّت الى فرار مَن بقي على قيد الحياة عبر معابر آمنة حُدّدت لتصبّ في اتجاه الأراضي اللبنانية من دون التوجّه الى العمق السوري، وتحديداً الى عرسال ومحيطها.

والى هذه الروايات والوقائع يبدو أنّ بوادر الخلاف بدأت تظهر، وتحديداً من أهداف أيّ تحقيق، فبعد يومين على دعوة الرئيس أمين الجميل للتحقيق في نهايات «حرب الجرود» وما رافق وقف النار قبل القضاء على مجموعة «داعش» في وادي مرطبيا كما في السابق لما فيها من ألغاز، دعا رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الى التحقيق في ما سمّاه «تهريب» حزب الله للدواعش من آخر معاقلهم. بعدما كشف أنّ جثامين العسكريين كانت لديهم في المعقل الأخير وكان سيتم التوصّل اليها بلا مفاوضات. ولو قضى عليهم الجيش لعثر على هذه الجثامين.

وما بين هذه المواقف تصاعدت لهجة الرئيس سعد الحريري بعد لقائه الرئيس تمام سلام قبل يومين مؤكداً «أنّ احداً لن يمسّ عرسال» رافضاً الوصول الى مرحلة إذكاء الفتنة السنّية ـ الشيعية وهو أمر سبق للرئيس نبيه بري أن تحدّث فيه محمِّلاً مسؤولية الوصول الى خطف العسكريين وقتلهم نتيجة «الفتنة السنّية - الشيعية التي منعت تحريرهم عام 2014».

وبناءً على ما تقدّم طرح السؤال الأكثر خطراً: مَن سيسبق في إعلان نتائج التحقيقات تلك التي تجريها مديرية المخابرات بما تحتاجه من وقت غير قصير أم تلك الجارية سياسياً لإستغلال الملف في تصفية حسابات بعضها ظهر واضحاً أنها ما بين ضباط سابقين أُحيل بعضهم الى التقاعد أو بين جهات سياسية لم تتوانَ في الكشف عن أهدافها التي تتناقض الى حدٍّ بعيد مع ما أعلن عنه رئيس الجمهورية وما أراده من تبيانٍ للحقائق منعاً للوصول الى حالات ثأر عشائرية وليس لإستغلال التحقيقات في تغيير الموازين الداخلية والإقليمية توصّلاً الى إثبات وجود لبناني خاسر وآخر رابح، وكأنّ الحرب السورية انتهت واستتبّ الأمر للنظام على مساحة سوريا بمجرد تحرير جرود القاع ورأس بعلبك بعد عرسال.

وفي الوقت الذي يعجز أيُّ مسؤول عن رسم السيناريو الذي يمكن أن يؤدّي اليه هذا السباق بين التحقيقين العسكري والحزبي يُفترض أن تتوحّد الأهداف ومعها النيات وهو امر بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل شعور البعض بأنه منتصر وعلى الفريق الآخر إعلان استسلامه له.

ذلك أنّ استمرار الخلاف حولهما سيؤدّي الى إذكاء الفتنة المذهبية مجدداً في اسرع ممّا يتوقعه أحد، خصوصاً إذا استمرّ البعض نافخاً فيها محرِّضاً ومشجِّعاً على إحياء تلك المرحلة من النزاع المذهبي الخطير التي جرت خارج إرادة أهل الحكم وقدراتهم المتواضعة لئلّا يُقال عجزهم سياسياً وعسكرياً عن مواجهتها والحديث في هذا الشأن يطول...