من دون الحاجة الى موافقة أحد، أطلق «حزب الله» والجيش السوري عملية «إن عُدتم عدنا» بالتزامن مع إطلاق قائد الجيش عملية «فجر الجرود».
 

ورغم إصرار الجيش على أنه يخوض المواجهة وحيداً، فقد ظهر واضحاً انه كان هناك من يُسابقه لإعلان النصر الى أن قطع الشك باليقين تفرُّد «حزب الله» واستعجاله للخطوة، بمعزل عن أي موقف حكومي جامع. فما الذي يبرر كل ذلك، ولماذا كان «حزب الله» هو الأسرع؟رغم العمليات التجميلية التي رغب بها البعض لإخفاء السباق الذي تسبّب به الإعلان المتزامن عن العمليتين على الجانبين اللبناني والسوري، فقد فشلت كل محاولات إخفائه من خلال إصرار «حزب الله» على نفي وجود أي سباق على أساس ان العدو واحد، ولا يمكن الفصل العملاني واللوجستي والعسكري بين القوى المشاركة في الحرب ضده.

وعليه، أصر الإعلام الحربي لـ«حزب الله» الذي أدار المعركة في غياب تام للإعلام العسكري السوري الرسمي على إثبات العكس. وظهر ذلك من خلال الإصرار على قراءته للمعركة على انها «واحدة» رغم وجود ثلاثة قوى تخوضها في آن واحد.

ولمزيد من التعبير عن إصرار «الحزب» على القتال في سوريا بإسم فئة من اللبنانيين بلا موافقة لبنان الرسمي، فقد حرص على رفع العلم اللبناني على آلياته الى جانب العلمين الأصفر العائد له، والعلم السوري بغية توجيه رسالة الى الأقربين والأبعيدن بأنه «شريك لبناني» في الحرب الى جانب النظام السوري وصولاً الى اعتبار البعض أنه ليس مجرد «ميليشيا» بل هو «جيش لبناني رديف» للجيش الشرعي، ومكلّف بمهمة ما على أراضٍ سورية ولبنانية بعد معركة تلال فليطا وعرسال وفي الجرود الأخرى للقلمون، ويخوض مواجهة من نوع آخر غير تلك التي يخوضها لبنان الرسمي وجيشه الشرعي. وقد سبق له أن فرض إتفاقاً نفذته الدولة اللبنانية عقب تحرير تلال عرسال، فاحتسبه اعترافاً رسمياً بدوره في سوريا.

فالجيش اللبناني يخوض حربه على أرض لبنانية فقط، بموجب أمر عمليات واضح وصريح، وبغية إنهاء وجود الإرهابيين واستعادة المخطوفين العسكريين من «داعش» أحياء كانوا أم شهداء.

وكل ذلك كان يجري بهدف تأكيد لبنان وجيشه الشرعي أنه شريك علني وأساسي في الحلف الدولي على الإرهاب، ولن يكون في موقع «المتورّط» في الأزمة السورية، لا الى جانب النظام ولا معارضيه. وهو ما يحاول «حزب الله» خرقه والإيحاء بأن لبنان خرج من هذا المحور وبات شريكاً للمحور الداعم للنظام السوري.

ورغم الحملة الإعلامية التي قادتها مديرية التوجيه في قيادة الجيش واستحداثها غرفة عمليات خاصة بـ»فجر الجرود» واعتماد لغة «الناطق الرسمي» بإسم القيادة العسكرية وتأكيدها أن الجيش اللبناني يخوض المواجهة وحيداً بلا أي شريك آخر، فقد أصرّ «الإعلام الحربي» على العكس من ضمن حملة إعلامية وسياسية جنَّد لها وسائله الإعلامية وقواه وأصدقاءه الإعلاميين والسياسيين.

لكن الواقع، ما أراده الجانب اللبناني الرسمي، الذي كان يشي بصورة أخرى، فالمواجهة ليست واحدة، والمهمة مهمتان، وإن كان العدو واحد. بدليل أن الجيش اللبناني سبق القوى إلى الجانب السوري من الحدود في بلوغ العديد من النقاط الحدودية المشتركة، من دون ان تظهر في الجانب السوري أي قوة سورية نظامية أو وجود لحزب الله.

وبقي الوضع على هذه الصورة الى أن بلغت العملية العسكرية اللبنانية «جيب مرطبيا» الحدودي الذي تجمعت فيه آخر قوة من «داعش» فتوقفت العملية العسكرية لسببين: أولهما ان البقعة المستهدفة هي من بين المناطق المختلف على هويتها اللبنانية أو السورية، وثانيهما نجاح المجموعة المتبقية فيها من اتخاذ مجموعة من النساء والأطفال متاريس بشرية، ما حال دون أن يقضي الجيش نهائياً عليها منعاً للتسبب بمجزرة محتملة.

كما برزت معطيات جديدة زادت من تردّد الجيش في الحسم وتحديداً عندما تبلّغ قائد الجيش العماد جوزف عون من المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم أولى المؤشرات عن طلب «داعش» وقفاً للنار يستند الى تحديد موقع دفن جثامين العسكريين الشهداء الثمانية المخطوفين لديه.

وتوقفت مراجع معنية عند إسراع «حزب الله» الى إعلان النصر والإحتفال به على الأراضي اللبنانية بدلاً من السورية، وهو ما فسرته هذه المراجع بأنه استباق لموقف الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية، من دون أن يطلب منها موافقة، وهو ما يمكن تفسيره عن حجم هامش الحركة الواسع الذي يمتلكه «الحزب».

فمصدر القرار فيه موجود لدى رجل واحد ولا يحتاج الى قرار يتخذ من ضمن المؤسسات الدستورية والأصول التي على كل المعنيين ومنها قيادة الجيش إحترامها قبل إتخاذ مثل هذا القرار الذي تأخّر صدوره حتى الأمس من قصر بعبدا، بعدما ثبت بالفحوص المخبرية أن الجثث التي تسلمها الجيش هي لعسكريّيه.

والى هذه الأسباب العسكرية والإدارية التي على الدولة أخذها بالإعتبار قبل الإعلان عن هذه الخطوة، فقد سبق «حزب الله» الجميع وراح أبعد من ذلك، فحدّد أمينه العام 28 آب يوماً لما سمّاه «الإنتصار الثاني» مستغلاً غياب المسؤولين اللبنانيين عن مسرح العمليات، وفي ظل غياب أي قرار حكومي رسمي، في وقت كان فيه رئيس الحكومة ينتقل من الرياض التي كان يمضي فيها أياماً عدة في زيارة غير رسمية، الى باريس الذي سيلتقي فيها الرئيس الفرنسي، وتزامناً مع إنشغال مسؤولين آخرين ومن بينهم وزيرا العدل والدفاع في البحث في الدفاتر العتيقة التي تعود الى آب 2014 لمحاسبة مسؤولين حكوميين، وقادة عسكريين لبنانيين ممن وضعوهم سلفاً على لائحة المرتكبين والمقصّرين، قبل أن يقول القضاء كلمته عن إسترداد العسكريين المخطوفين لدى «داعش».