لم يكن ينقص البلد الغارق في مناقشات سلسلة الرتب والرواتب والموازنة العامة أن يعيش هزّةً جديدة كتلك التي تَسبَّبت بها الدعوة التي وجّهتها «مجموعة مجهولة» عبر محافظ بيروت ووزارة الداخلية، وتطلِق على نفسها «المنتدى الاشتراكي في لبنان»، إلى السوريين للتظاهر في جوار ساحة سمير قصير في وسط بيروت «تضامناً مع اللاجئين/ات السوريين/ات»، وبهدف «العمل على تمتين أو ترميم العلاقات بين اللبنانيين والسوريين» وما تركته من ردّات فعلٍ مختلفة ومواقف اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وأثارت زوبعةً من ردّات الفعل المستهجَنة بأكثريتها تضامُناً مع الجيش اللبناني ورفضاً لإعطائهم الإذنَ بالتحرّك، عدا عن التهديدات بمواجهة المتظاهرين من مجموعات أخرى لمنعِهم من القيام بفِعلتهم.
 

اللافت أنه بين ليلة وضحاها ظهرت هذه الدعوة المشبوهة من مجموعة غير معروفة للتظاهر، وجاءت في ذروة النقاش الدائر حول نتائج عملية الجيش اللبناني في عرسال، التي واجهت فيها خمسة انتحاريين في مخيّمين من مخيمات المنطقة، وما إنتهت اليه من توقيفات لمجموعة من المتّهمين بسلسلة من الجرائم، ووفاة أربعة منهم قبل التحقيق معهم.

وزاد الطين بلّةً ظهورُ مجموعة تطلِق على نفسها «إتّحاد الشعب السوري في لبنان»، نشر على صفحته الإلكترونية دعوات للتضامن مع التظاهرة، مع ما رافق ذلك من تحريض على الجيش اللبناني والسلطات الرسمية انتقاداً لـ»طريقة التعاطي مع المخيمات السورية»، إضافةً إلى نشره أفلاماً مفبرَكة تتحدّث عن «معاناة ومأساة النازحين»، توصُّلاً إلى رفضه تأجيلَ أو إلغاءَ التظاهرة، معتبراً أنّ «خبر إلغائها مجرّد إشاعه»، عدا عن التهديد المبطّن بمشاركة لا سابقَ لها من خلال الإشارة الى الاستعدادات الجارية لمشاركة السوريين في التظاهر على أنّه يشكّل «غيضاً من فيض». وانتهى الى القول «إنّ الذين عبّروا عن استعداداتهم للمشاركة قد بلغَ عددهم 8 آلاف سوري».

وأمام محاولات «صاحب الدعوة» لاستيعاب الموقف والتأكيد أنّ التجمّع لن يضمّ أكثر من 50 شخصاً، فقد تطوّرَت المواقف الى ان باتت تهدّد السلم الأهلي. وفيما كان الفرز يتنامي بين اللبنانيين، بين مؤيدين للجيش وهم اكثرية لا تُقاس بأقلّية مغرّدين استفزّت اللبنانيين بروايات ومواقف كاذبة وتحريضية، دعا وزير الداخلية الى «تسريع التحقيق المسؤول والدقيق في وفاة النازحين السوريين الأربعة» قبل ان يعلن القرار بـ«عدم الموافقة على أيّ طلبٍ من أيّ جهة للتظاهر حفظاً للسلم الأهلي»، شاملاً برفضِه في البداية دعوات مصلحة الطلّاب في حزب الكتائب اللبنانية ومجموعات المجتمع المدني الذين دعوا إلى التجمّع على مدخل ساحة النجمة تزامناً مع الجلسة النيابية رفضاً لسلّة الضرائب التي قد يقِرّها مجلس النواب على هامش النقاش في الموازنة وسلسلة الرتب والرواتب قبل ان يوضح في اليوم الثاني بان القرار يشمل تحركات السوريين وليس اللبنانيين فقط.

من جهتها، نبَّهت مراجع امنية وعسكرية في تقارير رفعَتها الى مراجع عليا من تنامي موجات من هذا النوع تستغلّ ردّات الفعل حول ملف النازحين السوريين وإدخاله ساحات النزاع الداخلية في لبنان لزرع الشروخ بين اللبنانيين وإحياء المخاوف من صدام داخلي يغذّيه انقسامهم السياسي والقيادي على خلفيات الأزمة السورية وتداعياتها المتمادية على لبنان.

وتنتهي التحذيرات الى أهمية التعامل مع الملف على المستوى الرسمي بكلّ شفافية، فلا يسمح لمجموعات «وهمية من الأشباح» استغلالَ هذه الأزمة لئلّا تتحوّل موضوعَ خلافٍ داخلي، فيعيش اللبنانيون مرّةً أخرى تداعيات النزوح الفلسطيني في الثلث الأخير من القرن الماضي، وهو ما ظهرت بوادره عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية، مع الخوف من أن يتطور الى ما هو أسوأ فيترك البلد فريسةً للأشباح الذين يتلاعبون بمصير اللبنانيين ومستقبلهم.