عقدت القمة العربية في الاردن على مقربة من سوريا التي تمثل بركان المنطقة الذي يقع لبنان في دائرة حممه منذ انفجاره قبل ست سنوات.
 

 وعلى قاعدة ان لكل شيء نهاية، يبدو أن ملف إعمار سوريا حاضر جديا، حتى ان مصادر ديبلوماسية واسعة الاطلاع قالت لـ"النهار" ان هناك طيرانا حاليا في الاجواء السورية ليس على غرار طائرات الموت التي تسقط القذائف والبراميل، بل من نوع خاص بإحصاء الاضرار ورسم خريطة الدمار لكي تكون هناك جهوزية في المعطيات عندما تنطلق صفارة قطار إعادة الاعمار في البلد المنكوب. وتقدر المصادر حجم الخسائر المادية في سوريا بنحو تريليون دولار، على رغم ان مسلسل الخراب لم ينته بعد.

وكان تركيز في لبنان على الجانب السياسي من الحرب السورية، وفي الوقت نفسه، تركيز على جانب الاعمار، وسبق لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الذي رافق عون الى القمة أن أعلن أن لبنان يتطلع ليكون "منصة انطلاق لإعادة إعمار سوريا". فما هي المعطيات التي تجعل هذا الطموح واقعا؟
أول إطلالة لرئيس مجلس الوزراء على المستوى الدولي بعد ترؤسه الحكومة ستكون في بروكسيل في الخامس من نيسان، كما أعلن امام مجلس الوزراء، وذلك من بوابة ملف النازحين السوريين، والذي سيكون موضوع مؤتمر الدول المانحة في بلجيكا حيث تشارك 60 دولة للبحث في مساعدة الدول المضيفة لهؤلاء النازحين. فماذا أعد لبنان لهذا المؤتمر؟
مصادر وثيقة الصلة بالتحضيرات الجارية لمشاركة لبنان في المؤتمر قالت لـ"النهار" ان الحكومة السابقة برئاسة الرئيس تمام سلام قدمت في مؤتمر لندن الذي عقد في 4 شباط عام 2016، 14 مشروعا للتمويل، فنالت فقط تمويل مشروع واحد يتعلق بالطرق يتمثل بتسهيلات ائتمانية بشروط ميسّرة. في حين ان الحكومة الحالية تعكف منذ ولادتها على وضع مخطط توجيهي يمتد الى 8 سنوات لتنتقل به لاحقا الى المجتمع الدولي، آخذا في الاعتبار كل الظروف المحيطة كي يوفّر فرص عمل للبنانيين والسوريين على السواء، كما يحقق معدلات نمو مرتفعة من خلال برنامج استثمارات في القطاعين العام والخاص. وتوضح المصادر ان القانون اللبناني تاريخيا يمنح السوريين فرص العمل في ثلاثة قطاعات هي: البناء، الزراعة والتنظيفات. وهذا الأمر يوفّر قاعدة لتطبيق المخطط التوجيهي الذي سيعطي حوافز للمجتمع الدولي كي يوظف استثمارات في لبنان تحقق الهدف المزدوج المتمثل بمساعدة النازحين السوريين وبيئتهم اللبنانية المضيفة. وتقدّر الاستثمارات المطلوبة في البنى التحتية بنحو عشرة مليارات دولار يسعى لبنان للحصول عليها في المرحلة الراهنة.
وتتابع المصادر أن الاطراف الخارجية الراغبة في تمويل هذه الاستثمارات ستكون أمام مقاربة جديدة تفتح الآفاق أمامها لمشاركتها لاحقا في مشروع إعمار سوريا. مثلا، لو جاءت الى لبنان شركة كورية متخصصة بالبنى التحتية وقامت بتنفيذ أحد المشاريع الاستثمارية التي تحضّر لها الحكومة بما يوفر فرص عمل للبنانيين والسوريين على السواء، فستكون هذه الشركة مؤهلة لاحقا للوصول الى الميدان السوري انطلاقا من خبرتها التي ستراكمها في لبنان. من هنا تبدأ مرحلة إعطاء الحوافز للشركات العالمية التي تخطط للوصول الى المشروع الاعماري الضخم لسوريا عندما يحين أوانه. أما لبنان الذي يمثل منصة انطلاق الى سوريا، فسيكون أيضا في موقع الاستفادة من هذا المشروع بما يقارب نسبة العشرة في المئة، أي ما يصل الى مئة مليار دولار بحسب التقديرات المتداولة حاليا.
هل هذه التوقعات ممكنة؟ تجيب المصادر المواكبة بالقول إن المعطيات الموضوعية تؤكد أن لبنان يحظى بفرصة واقعية لكونه بلدا مجاورا لسوريا ومضيفا لنحو مليون ونصف مليون نازح، ويمتلك بنى تحتية تندرج في إطارها المنطقة الحرّة في مرفأ طرابلس والتحضير لإنشاء خط سكك للحديد يصل لبنان بالعمق السوري.
ما اورده الامين العام للامم المتحدة أنطونيو غوتيريس في نص التقرير الاخير حول القرار 1701 يشير الى ظروف مواتية لما تسعى اليه حكومة الحريري بشأن ملف النازحين. ومما أدرجه غوتيريس في هذا التقرير: "أرحب باستمرار بهبات الدعم السخي للبنان من أجل تلبية حاجات النازحين السوريين وسائر المجموعات المحتاجة. وبينما يبقى أساسيا استمرار الدعم الانساني على مستويات عليا، هناك ما يوازيه في الاهمية هو توفير مصادر للتنمية بعيدة المدى، سواء عبر الهبات أو من خلال تعهدات قروض. إن لبنان يحتاج الى دعم لإحراز استثمارات بعيدة المدى اقتصاديا ونموا وفرص عمل بما ينفع النازحين والبيئة المضيفة على السواء. إنني أدعو كل الدول الاعضاء الى الوفاء بالتزماتها في المواعيد المحددة وتعزيز مساعداتها من أجل مساعدة لبنان على مواجهة تأثيرات النزاع في سوريا".
ربما يكون من باب المبالغة إجراء مقارنة بين زمنين مختلفين: زمن الرئيس رفيق الحريري الذي ارتبط اسمه بنجاح كامل بمشروع إعادة إعمار لبنان، وزمن الرئيس سعد الحريري الذي يسعى الى تحقيق مشروع إعادة النهوض بلبنان. فبعد زلزال 14 شباط 2005 حيث وقعت جريمة العصر فأزالت جسديا صاحب المشروع الاول، كان العمل جاريا ولا يزال من أجل استعادة لبنان لموقعه ودوره الذي أراده رفيق الحريري.
في ملف النازحين، يثابر سعد الحريري بلا كلل من أجل ان ينهض لبنان بعبء الملف الثقيل من ناحية، ومن أجل ان يمهد الطريق أمام دخول لبنان المشروع الكبير لإعادة إعمار سوريا من ناحية ثانية. وكأننا اليوم في حضرة ملائكة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أعاد إعمار وطنه قبل أكثر من ثلاثة عقود. وها هي سوريا اليوم في أمس الحاجة الى حريري يزيل ركامها.