تلقّى رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط خلال الفترة القصيرة الماضية تطمينات عدة لتهدئة هواجسه من إقرار قانون انتخابي نسبي.رئيس مجلس النواب نبيه بري فعلَ ذلك على طريقته. وأيضاً رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يناسبه اصلاً طرح جنبلاط الاعتراضي على النسبية، و«حزب الله» وجّه له تطمينين عبر إيفاد معاون أمينه العام الحاج حسين خليل ومسؤول الارتباط والتنسيق الحاج وفيق صفا لزيارته، وأبلغَ الحزب اليه عبرهما انّ ايّ قانون انتخابي سيُعتمد لن يسيء لمصالح الدروز والمختارة. أمّا الرسالة الثانية، وهي الأهم والأوضح، فتمثّلت برفع مستوى صلة حارة حريك بجنبلاط، من صفا لتصبح حسين خليل ووفيق صفا.

ولكن مصادر لصيقة بالمختارة تؤكد انّ جنبلاط في قرارةِ نفسه مقتنع بأنّ الحليف الوحيد والتطمين الوحيد الذي يَركن اليه في هذه المرحلة، هو إقرار قانون اكثري وليس حتى الستّين.

وبين السطور يعبّر الناطقون باسمِ جنبلاط (من الوزير وائل ابو فاعور الى الوزير غازي العريضي) عن الفارق بين هذين القانونين والذي لا تزال المختارة تَضمره، وتعبّر عنه حالياً بأسلوب ركوب موجة أنّها ايضاً ضد الستين، توصّلاً الى عرض بديلها الاستراتيجي له الذي تسمّيه ترميزاً بقانون الستين معدّلاً، ولكن تسميته الحقيقية هو «قانون أكثري» يتّصف بأنه النقيض المطلق للنسبية، ويقع ايضاً على يمين الستّين.

ومصطلح «الاكثري» الذي يفكّر فيه جنبلاط هو الذي يمكّنه من الحصول على نواب منطقته الانتخابية الثمانية. وفي أحسن الحالات ناقص نائباً واحداً يدفعه لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وبحسب المصادر عينها، فإنّ القانون الذي يضمره جنبلاط، يشبه من حيث روحيته السياسية، القانون الارثوذكسي، ولكن على اساس اكثري، وعلى اساس انّ الدروز يجب ان يكونوا الناخب الاول في منطقتهم الاساسية (عاليه والشوف).

وأسرع وصفة لبلوغ هذا الهدف هي تعديل قانون «الستين» ليصبح «اكثرياً مطلقاً»، وذلك عن طريق ضمّ قضاءَي الشوف وعاليه في دائرة واحدة، فتصبح الكتلة الدرزية فيهما هي الناخب الأول في مقابل الطوائف الأخرى في هذه المنطقة.

ويهدف تصعيد جنبلاط الحالي الى رفع السقف بالتدريج في اتجاه فرضِ اعتراف على القوى السياسية اللبنانية، بأنّ موقفه من قانون الانتخاب، لا يعبّر عن أزمة سياسية للمختارة، بل عن أزمة تقرب من أن تكون وجودية للدروز، وأنّ حلّها يتحقّق بالاستجابة لسلّة مطالبه، والأبرز بينها، ضمّ قضاءَي عاليه والشوف في دائرة واحدة، لأن هذا الأمر في زمن التحوّلات السياسية الاقليمية والداخلية، يمثّل «الثمن الميثاقي» للدروز مثلما انّ انتخاب عون مثّل «الثمنَ الميثاقي» للمسيحيين، وأن عودة الحريري الى السراي الحكومي الكبير مثلت «الثمن الميثاقي» للسنّة، ووزارة المال لـحركة «أمل» مثلت «الثمن الميثاقي» للشيعة.

وتوضح المصادر عينها أنّ جنبلاط يتدرّج في اتجاه المطالبة بـ«توحيد المعايير في تحقيق الميثاقية الوطنية»، وهو يرى أنّ المختارة أو الدروز (لا فارق بالنسبة إليه) لم يحصلوا بعد على الثمن الذي يُطمئنهم، فيما الطوائف الأُخرى نالت أثمانها الميثاقية في العهد الجديد.

المطلّون على هواجس جنبلاط الحالية يؤشّرون الى جوانب غير معلنة، يقولون إنّها الأعمق: الجانب الاول منها يتمثّل في وجود خوف انتخابي صرف لدى جنبلاط وحتى على اساس قانون الستين. اسبابه المعروفة هي تبعات الثنائية المسيحية على وضعه الانتخابي في عاليه والشوف. إضافةً الى عدم ثقته بالطريقة التي سيقترع بها الناخب السنّي في إقليم الخروب المتداخل انتخابياً مع معقلِه الانتخابي الشوفي.

لكنّ هناك عاملاً ثالثاً مغفَلاً وأخطر، ويتمثّل في أنّ نسبة معتبَرة من الناخبين الدروز المسجّلين في مناطق الشوف وعاليه وبيروت والبقاع الغربي حاصبيا، هم من الدروز السوريين، وهؤلاء عادة تقترع نسبة عالية منهم لمصلحة المختارة.

وكان جنبلاط يخشى مع بدء خلافه مع دمشق، من أن تمارس الاخيرة تقنيناً على مجيئهم للانتخاب، ولكن الآن هناك خوف لديه من ان تستعمل ديموغرافيا دروز سوريا المنتخبة في لبنان، ضده ولإضعاف لوائحه.

كان لافتاً أنّ «استعراض «الجاهلية» الرياضي»، حفلَ برسائل مشفّرة انتخابية وسياسية لجنبلاط، وليست عسكرية، وقد لمّح لها وئام وهاب عندما اعلنَ انّ استعراض الجاهلية حفلَ بمشاركة درزية سوريّة حسَمت معركة خيار دروز سوريا ضد المختارة.

الجانب الثاني في هواجس جنبلاط له علاقة بتبدّدِ دوره السياسي داخلياً وإقليمياً، والمعروف من اسبابها هو أنّ انفراط عقد اصطفافي «8 و 14 آذار»، أخذ معه دور «بيضة القبّان» من المختارة من دون إنتاج بديل له.

وما هو خافٍ وأخطر بينها هو أنّ دور جنبلاط الاقليمي الدي استند خلال تسعينات القرن الماضي وحتى الامس القريب، على صورته كزعيم لديموغرافيا درزية تمتد من لبنان الى سوريا الى فلسطين، انهارَ ايضاً. وبلغَت ذروة تبدّدِه بعدما رسبَ في امتحان انقرة والرياض بإثبات قدرته على جذبِ دروز سوريا الى صفّ المعارضة ضد النظام.

ويراهن جنبلاط، بحسب اوساطه، على خيارين لضمان استمرار المختارة «آخر إقطاعية سياسية في لبنان» حسب وصفِ الرئيس حسين الحسين: أوّلهما فرضُ قانون انتخاب اكثري وعرضه بمسوّغ أنّه ثمن لنيلِ الدروز حصتَهم الميثاقية، وثانيهما إنشاء مجلس شيوخ يكون وليد بك رئيساً له، فيما يكون نجله تيمور زعيم كتلة الغالبية النيابية الدرزية في كلّ لبنان، وإليها غالبية النواب الثمانية في منطقة عاليه والشوف.

جنبلاط يناضل من اجل إعادة إنتاج دوره في ظلّ ظروف دولية وإقليمية متغيّرة، وتثبيت موقع ابنِه الطريّ العود داخل ديموغرافيا درزية متضائلة محكومة بمعادلات سياسية وديموغرافية مسيحية وسنية وشيعية جديدة. ويحدث كل ذلك في وقت ينقل الزعامة منه الى نجله.