قد يبدو مستغربا ربط صعود اليمين الغربي إلى السلطة بالقضية السورية، ولهذا الاستغراب ما يبرره، إذا نظرنا إلى القضية السورية باعتبارها مسألة منفصلة عن السياسة الدولية، أو اعتبرناها تفصيلاً صغيرًا في سياسة، تباشرها حكومات تلك البلدان، والتي غالبًا ما انتمت إلى الوسط ويمين الوسط في العقود الأخيرة، وأثبتت في خلالها فشلاً ذريعًا في نتائجها، وكان من أبرز ملامحها تهميش دور الديمقراطيات الغربية الأميركية – الأوروبية في قيادة العالم، لصالح نجاحات حققتها دول وقوى متطرفة في مستوى الأقاليم الرئيسية في العالم مثل روسيا في أوروبا وإيران في الشرق الأوسط وكوريا الشمالية في جنوب شرقي آسيا، وسط تساهل، وأحيانًا تواطؤ غير منظور وغير مباشر من بعض حكومات الدول الغربية، مما أدى إلى تغيير في توازنات إقليمية ودولية، أبرزها ما حدث في منطقتين مهمتين هما الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا، وقد كانتا طوال عقود ماضية مسرحًا في الصراع الدولي، وخاصة في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق والغربي بقيادة الولايات المتحدة.
وللحق فإن النهج المخرب للديمقراطيات الغربية في ميدان السياسة الخارجية وما جره من خسارات عليها ولحلفائها في الأقاليم الرئيسية، هو ذاته النهج الذي سارت عليه في تعاملها مع السياسات الداخلية، ومنها قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، واندماج المهاجرين، والعنصرية المتصاعدة ومواجهة تصاعد الإرهاب والتطرف.
ووسط لوحة خراب سياسة الديمقراطية الغربية لحكومات الوسط ويمين الوسط، يمكن تجاوز استغراب ربط القضية السورية بصعود اليمين الغربي إلى سدة السلطة في بريطانيا في ضوء تولي تيريزا ماي رئاسة الوزارة البريطانية بدلاً من ديفيد كاميرون خريف العام 2016، رغم انتماء الاثنين إلى حزب المحافظين، ثم في صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية مع مطلع العام 2017، بالتزامن مع صعود نجم مرشح الرئاسة الفرنسية فرنسوا فيون الذي سيحل في قصر الإليزيه في ربيع العام 2017، وسط تقديرات بتحول الرئاسة الألمانية نحو اليمين مع احتمالات مجيء حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني لاحتلال مركز المستشارية الألمانية.
انعكاسات التحول لليمين في العالم الغربي على القضية السورية، ستكون جزءًا من عملية «تصحيح» السياسة الغربية سواء في مساراتها الداخلية أو الخارجية، ولأن القضية السورية جزء من الأخيرة، فإنها ستكون في إطار «التصحيح» الذي يعني في أول ما يعنيه، الخروج من سياسات من سبقهم من زعماء، قادت سياساتهم السورية إلى تكريس الصراع في سوريا، بل إلى إحداث تحولات عميقة فيه، كان الأبرز فيها، تحويل القضية السورية من قضية شعب، ينهض في وجه الاستبداد والديكتاتورية، والمطالبة بالحرية إلى حرب على الإرهاب، ومن العداء لنظام رسخت تلك الدول، حقيقة، أنه من بين خمسة أنظمة في العالم، دأبت على دعم الإرهاب، إلى نظام يحارب الإرهاب بالشراكة مع قرينه نظام الملالي في إيران، وكله ترافق مع دفع تحول ثورة السوريين من ثورة وطنية ديمقراطية إلى نشاط لجماعات إسلاموية.
وسط هذه التحولات، لا يمكن وجود تصور سياسة، يمكن أن تجعل القضية السورية أسوأ مما صارت إليه، وقد غدت بما نجم عنها من نتائج على الصعيد الإنساني بمثابة كارثة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، طالت أكثرية السوريين، وبين تعبيراتها قتل واعتقال واختفاء وتهجير وتشريد أكثر من عشرة ملايين سوري، وتدمير قدراتهم الفردية والاجتماعية، إضافة لما ترتب على دول الجوار والأبعد منها من تداعيات بينها موجات هجرة ولجوء ومساعدات، وخروقات للأمن وتصاعد للإرهاب نتيجة تداعيات الوضع السوري، وكلها مهمات ستكون في أولويات الموجة الجديدة من قادة الدول الغربية، التي وإن أبدى بعضهم موقفًا «منفتحًا» على نظام بشار الأسد في إطار تخوفه من جماعات التطرف والإرهاب، فإن أغلبهم، وضع مؤيدي نظام الأسد وداعميه من الإيرانيين والروس في مقدمة خصوماتهم السياسية المقبلة، وهذا سوف ينزع حماية الإيرانيين والروس لنظام بشار الأسد، ويجعل سقوطه أمرا ممكنًا.
إن التخوفات السائدة من صعود اليمين إلى السلطة في بلدان الديمقراطيات الغربية، تبدو تخوفات غير طبيعية ولا منطقية، بل هي بين الأخطاء في مدرسة التحليل والتفكير السائدة، والتي كان بينها استبعاد وصول ترامب في الولايات المتحدة وفيون في فرنسا إلى سدة السلطة، وقد ثبت بطلان تلك التقديرات، والتي توازي في نتائجها تقديراتهم في أن سياسات قادة اليمين الغربي على القضية السورية وعموم قضايا الشرق الأوسط، ستكون أسوأ من سابقيهم، وللحق، فليس هناك سياسة أسوأ من سياسات سابقيهم في عجزها وتفريطها وتهاونها ومسايرتها لأنظمة مارقة وقاتلة ومستبدة، تجاوزت القوانين الدولية والقيم الإنسانية، وخلفت كارثة إنسانية عميقة، ووضعت الشرق الأوسط والعالم على حافة حرب، لا يمكن تقدير نتائجها إذا اندلعت.