بعد أن انتهت ضجة «سوتشي»، صار لا بد أن نقف منه موقف المدقق، لا موقف الغاضبين المعارضين ولا موقف المؤيدين المتشجعين، فقد «ذاب الثلج وبان المرج» كما يقول المثل الشعبي، أي ظهرت نتائج «سوتشي»، التي أكدت ضياع فرصة أخرى للحل السوري، كان البعض يعتقد أنها لا بد آتية في إطار المحاولات، التي طالما اصطدمت بموقف النظام وحلفائه وتصلبهم، وبجدار العجز الدولي والإقليمي عن معالجة القضية السورية، وإنهاء معاناة أهلها، بل ومعاناة العالم الذي تتوالى عليه تداعيات القضية السورية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأهم من ذلك كله الأخلاقية، لأن ثمة سؤالا يطرحه الواقع السوري محتواه، كيف لعالم أن ينام وهو يتابع كل تلك الجرائم التي تقع على رؤوس السوريين، وأن يصبر على تلك المعاناة، التي لا شك أن شعبا، لم يواجهها على مدار التاريخ المكتوب.


لقد كرست السنوات الماضية روسيا طرفا رئيسيا في القضية السورية، خاصة بعد التدخل العسكري الروسي أواخر عام 2015، وما أدى إليه من تغييرات سياسية وميدانية في الصراع داخل سوريا وحولها، وبدا لكثيرين في ظل التفويض الأمريكي لروسيا في سوريا، والاستكانة الأوروبية للأمر الواقع، وتراجع الدور الإقليمي في القضية السورية، أنه لا بد من طرق أبواب موسكو ومحاولة التفاهم معها على دور جديد في سوريا، بحيث تقدم سياسة إيجابية، تساهم في الحل السوري، أو على الأقل المساهمة بوضع القضية السورية على سكة حل، يأتي متدراً، يوصل السوريين إلى بر الأمان ولو بعد وقت.


والحق، فإن السوريين وبينهم أصحاب تلك النظرة، إضافة إلى متابعي القضية السورية، لم يغب عن بالهم طبيعة الدور الروسي في القضية السورية، ومواقف موسكو التي أيدت نظام الأسد ودعمته في مواجهة ثورة السوريين، ولم يتناسوا أن روسيا شكلت في تحالفها الدولي قوة حماية سياسية وعسكرية للنظام من السقوط أمام ضغوط العالم من جهة، وثورة السوريين من جهة أخرى، بل إنهم كانوا يرون، أن روسيا حققت كثيرا من أهدافها السورية، وأنه آن الأوان لها للانتقال إلى نسق سياسي آخر، يخفف عنها فاتورة الاستمرار في الصراع السوري وحول سوريا، ولا سيما من النواحي السياسية والعسكرية، وأن ذلك منسجم مع بعض الإعلانات الروسية المتكررة، بأن موسكو لا تتمسك ببقاء الأسد، وأنها تصر على أن يكون الحل سوريا وبيد السوريين وحدهم وشعارات أخرى.


وسط هذه المعطيات، بدا للبعض أن «سوتشي»، يمكن أن يمثل بداية، ولو بسيطة، من شأنها أن تدعم مسار جنيف المتعثر الذي لم ينجز سوى الفشل والخيبات للسوريين، وهذا ما شرحه الروس لكل من تواصلوا معهم في الفترة الأخيرة، من أجل ضمان دعم الجهد الروسي لإنجاح المؤتمر.


وبخلاف ما جرى طرحه حول الطموحات الروسية من «سوتشي»، فإن الخطوات الإجرائية في مسار موسكو مضت في اتجاه آخر. فمن الناحية السياسية لم تقم موسكو بأي ضغوطات على تحالفها الإيراني - الأسدي للإعلان عن التزامات سياسية، وأقلها الوعد باتخاذ خطوات إجرائية في قضايا غير تفاوضية، مثل إطلاق المعتقلين ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بمرور المساعدات، ولا في تأكيد التزاماتهما باتفاقيات خفض التصعيد، إنما تجاوزت ما سبق للمشاركة الواسعة في العمليات الدموية ضد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وحلفائه، في خطوة بدا أن هدفها مزدوج، إذ هي ضغط على المعارضة وحاضنتها الشعبية، وفسح المجال أمام تمدد النظام إلى مناطق جديدة في محيط دمشق وفي الشمال السوري.


وكرست موسكو في إجراءاتها، خطوة غير مسبوقة في اللقاءات السورية، لجهة تعويم الحضور السوري برفع عدد المشاركين، وجلب أعداد كبيرة من الهامشيين وغير المؤثرين سواء في الوفد القادم من الداخل السوري أو القادمين من الخارج، بعد أن تم استبعاد قسم كبير من ممثلي المعارضة في الداخل والخارج على السواء، وخصوصا الهيئة العليا للمفاوضات والقوى المنضوية فيها، مما جعل اللقاء دون حوامل سياسية، سواء لجهة النظام أو المعارضة في ظل غياب إقليمي ودولي مقصود لقوى مؤثرة في القضية السورية أهمها الولايات المتحدة.


الأهم في الإجراءات، ما تعلق بمحتوى المؤتمر في هدفه شديد التواضع، إذ هو مجرد اجتماع لـ«سوريين» وفي مدته وبرنامجه، فكان الأول يوما واحدا، والثاني غائما لا تحديدات فيه، وكذلك الأمر في مخرجاته، التي لم تتجاوز نقطة واحدة هي تشكيل لجنة دستورية، كان بإمكان دي ميستورا وفريقه الأممي تشكيلها بجودة أفضل، وهذه بعض إجراءات، جعلت من «سوتشي» مجرد تظاهرة لا معنى لها، وإن كان لها معنى، فلم يكن أكثر من الإساءة إلى السوريين وقضيتهم.


خلاصة ما حدث في «سوتشي»، أنه أضاع فرصة روسية وسورية في آن معا لعمل كان يمكن أن يكون أفضل، لو أن موسكو اعتبرته بداية لمرحلة جديدة في سياستها السورية، وهو من جهة ثانية، وضع الأطراف الأخرى كلها أمام سؤال التفويض الأمريكي لروسيا، والاستكانة الأوروبية للأمر الواقع، وضرورة قيام الطرفين بخطوات جديدة في سياستهما السورية، قد تكون بدايتها ما يدور حاليا في أروقة السياسة الغربية الأمريكية - الأوروبية، عن ضرورات لموقف جديد في القضية السورية، يتجاوز الفشل الروسي في سوريا، ويعزز جهود جنيف نحو حل دولي للقضية السورية.