يبدو حائط التعطيل أسمكَ بكثير ممّا كان متوقّعاً، لا بل هو يزداد سماكةً على مدار الساعة. وتُكسِبه التبايناتُ والمزايدات والمكايَدات مناعةً صلبة جَعلته يستعصي على محاولات اختراقه من قبَل العاملين على تأليف أولى حكومات العهد. وما صبَّ الزيتَ على النار السياسية المشتعلة أصلاً، «الاشتباكُ الانتخابي» على خلفية قانون الستّين، بين عدد من القوى السياسية، واشتباك على خط التأليف بين حركة «أمل» و«القوات اللبنانية»، وهو أمرٌ يَرسم علامات استفهام حول المدى الذي سيَبلغه هذا الاشتباك بشقَّيه الانتخابي والحكومي وتداعياته على صورة البلد في المرحلة المقبلة. في حين ما زالت الأنظار الدولية مشدودة نحو حلب مع إستمرار قصفها من قبل النظام وتهجير أهالي حلب الشرقيّة .إذا ما أمعنّا النظر في جوهر أزمة التأليف، سيبدو جليّاً أنّ هذه الأزمة أعمقُ من أزمة تأليف وخلافات على حصص وحقائب، سواء المصنّفة سيادية أو أساسية أو خدماتية أو ثانوية، بل هي أزمة ثقة بين القوى السياسية وكمائن منصوبة في ما بينها.

وبالتالي إمكان إعادة إنتاج هذه الثقة أو إعادة ترميمها ولو بالحدّ الأدنى، صار يتطلّب عصاً سحرية ثبتَ بالملموس أنّ أياً مِن اللاعبين على الخشبة السياسية لا يَملكها، أو معجزةً ثبتَ في الملموس أيضاً أنّ الزمن اللبناني الحالي ليس زمنَ معجزات. وفي هذه الحال ما على اللبنانيين سوى انتظار الفرج الذي لا يبدو قريباً.

في هذا الجوّ، ما زال طريق التأليف مقفَلاً، ولغة الكلام الجدّي والمجدي معطّلة، والتواصل ما بين القوى المعنية بأولى حكومات العهد شِبه منعدم، ولا تحريكَ حقيقياً لحجارة داما التأليف الثابتة في مربّعاتها دون تحرّكِ خطوة إلى الأمام، لا بل العكس، تتراجع خطوات إلى الخلف مع الطروحات والأفكار والشروط المتبادلة. وكذلك مع السجال الذي يطلّ برأسه بين المواقع السياسية، وجديدُه بالأمس على خط عين التينة معراب.

ولم تحمل الساعات الماضية أيَّ جديد على صعيد «الحقائب» التي ما زال الاختلاف عليها يشكّل العائقَ السياسيّ أمام التأليف، بحيث ما زال الرئيس نبيه بري متمسّكاً بها، وكذلك «القوات» متمسّكة بالمطالبة بها كحقّ طبيعي لها، فيما لم تُحلّ عقدة النائب سليمان فرنجية، وفيما انتهت مسألة إشراكه في الحكومة، فإنّ ماهيّة الحقيبة التي ستُسند إليه لم تُحسَم بعد، وثمّة رفضٌ لدى «التيّار الوطني الحر» في إسناد حقيبة أساسية له، فيما الرئيس سعد الحريري ما زال يراهن على قبول فرنجية بحقيبة وزارية، بصَرف النظر عمّا إذا كانت أساسية أو غيرَ أساسية، فالمهمّ هو وجوده في الحكومة.

ونُقل عن الحريري قوله للرئيس بري قبل أيام، إنه سعى مع فرنجية للقبول بوزارة التربية فلم يَقبل، وقد توسَّط كثيرين لمحاولة إقناع فرنجية، ومنهم رَجل الأعمال جيلبير شاغوري، ومع ذلك لم يقتنع.

معلومات بعبدا تؤكّد أن لا جديد لدى رئيس الجمهورية ميشال عون، وما زال ينتظر أن تكتمل الصورة وتجلو مواقف الأطراف لكي تُبنى عليها الخطوات التالية ربطاً بمهلة تلقّي أجوبة هذه الأطراف على التأليف، فيما سيكون لعون نشاطٌ لافت لاحقاً، يتوَّج غداً الجمعة، باستقبال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي يصل إلى بيروت اليوم، وبعد أيام باستقبال وزير خارجية كندا ستيفن ديون الذي سيَصل بيروت يوم الإثنين المقبل في الخامس من الشهر الجاري. ومِن جهة ثانية تحدّثَت مصادر واسعة الاطّلاع عن زيارة وشيكة يقوم بها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع إلى القصر الجمهوري.

وحالُ الانتظار نفسها هي السائدة عند الحريري، الذي نَقل عنه زوّاره بالأمس استغرابَه بروزَ هذا الكمّ من العراقيل والعقبات في طريق التأليف، وتبعاً لها، بات لا يستطيع أن يحدّد موعداً لولادة حكومته، مع أنّه يكرّر أنّه ما زال في المهلة الطبيعية للتشكيل. وحينما سأله زوّاره عن سبب التأخير أكّد الحريري: التأخير ليس عندي، والذي يؤخّر هو المطلوب منه أن يسهّل ويساعد على تذليل العقد وتسريع ولادة الحكومة.

وبحسب ما نَقل الزوّار لـ«الجمهورية» فإنّ الحريري غَمز في موضوع التأخير من قناة عين التينة من دون أن يسمّيها. فيما بَرز في الموازاة تأكيد متجدّد من قبَل بري على الإسراع في تشكيل الحكومة. وكرّر أمام «نواب الأربعاء» أنّه قدّم كلَّ التسهيلات لتأليف الحكومة، وأنّ العقدة ليست عنده بل هي في مكان آخر.

وأنّه «منذ بداية عملية التأليف أبدينا حرصَنا على كلّ ما يؤدي إلى ولادة الحكومة، وانتقلنا من تشكيلة الـ 30 إلى تشكيلة الـ 24، كما قبلنا بالتخلّي عن حقيبة وتحويلِها إلى وزارة دولة من أجل تسهيل العملية، فالمشكلة ليست عندنا، ونحن ننتظر».

وعلى صعيد مشاورات التأليف، شكّلَ اللقاء بين الرئيس المكلّف ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل مناسبةً لبحثِ المساعي الجارية لتشكيل الحكومة والعوائق التي ما زالت تَحول دون ولادتها إلى اليوم.

وأملَ الحريري أن تنجح المساعي الجارية لحَلحلة آخِر العقد التي تَحول دون التوافق على توزيع الحقائب لإنزالِ الأسماء عليها، علماً أنّ موضوع الأسماء سبقَ التفاهم على توزيع الحقائب، ولا سيّما تلك التي ما زال الحوار جارياً بشأنها.

ولفتَ الحريري إلى بوادر توحي بأنّ أطراف العقد أبدوا استعدادهم للتراجع عن بعض المطالب الحادّة في ضوء طروحات جديدة يُنتظر لها أن تُحدث خرقاً في مسلسل العوائق التي تَحول دون ولادتها في وقتٍ قريب.

إلى ذلك، في موازاة استمرار العقَد والشروط، اندلعَ اشتباك سياسي، بين حركة «أمل» و«القوات اللبنانية»، انطلقَت شرارتُه على خلفية اتّهامات بتعطيل، وكلام منسوب لعضو كتلة التحرير والتنمية النائب أيوب حميّد، قال فيه: «التيار الوطني الحر والقوات هما أساس المشكلة في تأليف الحكومة، ولن نقبل بتحجيم النائب سليمان فرنجية».

وردّت «القوات» على كلام حميّد عبر مصادر، فاستغربَت الكلامَ عن أنّ العقدة الحكومية تَكمن في الاتّفاق بين «القوات» و«التيار الوطني الحر»، فيما الوقائع السياسية التي ظهَرت في الأيام الأخيرة أظهرَت أنّ العقدة الفعلية من طبيعةٍ وطنية لا حكومية، وتتّصل بمحاولات تقييد العهد أقلّه في ثلاثة جوانب أساسية: سَعيِه لتطبيق الدستور، تحالفاتِه الداخلية وعلاقاتِه الخارجية.

وقالت المصادر إنّ أكثرَ ما يَدحض الكلام عن أنّ العقدة لدى «القوات» و»التيار الحر» يَكمن بتنازُل «القوات» عن حقّها الطبيعي والبديهي بحقيبة سيادية من أجل تسهيل انطلاقة العهد وتسريعِها، فيما المشكلة الأساس تَكمن في مكانٍ آخر وهو السعي الدؤوب لفكّ التحالف بين «القوات» و«التيار الوطني الحر».

وتمنّت المصادر لو أنّ تلك الجهود تتركّز على بناء الدولة وتعزيز الشراكة الوطنية وترسيخ الاستقرار، بدلاً مِن سياسة فرِّق تسُد القديمة-الجديدة والتي كان يَتبعها عهد الوصاية الذي فَقد صوابَه على أثر مصالحة الجَبل، ولكن نرغَب بتذكير البعض أنّ عهد الوصاية انتهى وأنّنا في سنة 2016 لا 2001 وفي مطلع عهدٍ وطنيّ جديد.

وشدّدت المصادر على أنّ العلاقة بين «القوات اللبنانية» و»التيار الوطني الحر» غيرُ قابلة للفكّ ولا الفصل، وطمأنَت الغيارى «أنّها من طبيعة استراتيجية».

إتفاق «التيار» و«القوات»

وفي سياق آخَر، أكّدت مصادر «القوات اللبنانية» لـ«الجمهورية» وجودَ اتّفاق بين «القوات» و«التيار الوطني الحر»، وهذا الاتفاق يتركّز على قضايا وطنية تتّصل ببناء الدولة وتحييدِ لبنان والالتزام بـ«الكتاب» وإحياء الميثاق.

وأمّا ما يتّصل بالجانب الحكومي، فالمشاركةُ الوازنة لـ«القوات» ليست مشاركة حصصيّة، إنّما مشاركة وطنية تَهدف إلى حماية العهد والمرحلة الوطنية الجديدة.

والعرقلةُ المتعمَّدة التي يتعرّض لها العهد أكّدت وجهةَ نظر «القوات» وزادت تمسّكَها بمشاركتها الوازنة من أجلِ أن تكون محطة 31 تشرين الأوّل المدخلَ لتطبيق الطائف بنسختِه اللبنانية الأصلية.

وفي السياق نفسِه أكّدت المصادر أنّ حجم «القوات» لا يُقاس حصراً بكتلتها النيابية، إنّما بحجمها الشعبي أوّلاً ودورها الوطني المساهم بفعالية ثانياً، في الوصول إلى هذه اللحظة الوطنية.

وفي سياق آخَر، قالت المصادر نفسُها لـ«الجمهورية» إنّ «القوات» لم تُبدِ حماسة لطرح الرئيس الحريري لجهةِ إعادة توزيع الحقائب تبعاً للتوزيعة المعتمَدة في الحكومة السَلامية الحالية، كما أنّ الرئيس عون لم يُبد بدوره أيّ حماسة لهذا الطرح.

شمعون

مِن جهته، أكّد رئيس حزب «الوطنيين الأحرار» النائب دوري شمعون لـ«الجمهورية» أنّ «المعرقِل الأساسي لتأليف الحكومة هو «حزب الله»، وهناك توزيع أدوار بين الحزب والرئيس نبيه بري، ففي النهاية بري يَعمل في خدمة الحزب».

وأشار إلى أنّ «حزب الله» لم يكن يريد عون، وقد «انحشَر» فاضطرّ إلى انتخابه لأنّه كان سيَظهر بمظهر من يَكذب عليه، والفراغ الرئاسي لسنتين ونصف سببُه الأساسي أنّ للحزب مخططات أكبر من حجم الدولة ويريد وضعَ اليدِ عليها».

وعن مطالبةِ فرنجية بحقيبة أساسية وعدمِ تمثيل شخصيات قرنة شهوان في الحكومة، قال شمعون: «كانت هناك فترةُ احتلال سوري للبنان وقد سَخّرت مقدّرات الدولة لخدمة فرنجية وتكبيرِ حجمه، فكان يأخذ حصّةً كبيرة، والسوريّون عوّدوه على عادات سيّئة وما زالت مستمرّة»، لافتاً إلى أنّ «فرنجية يتغنّج ويضَع شروطاً في الحصول على حقيبة أساسية بعدما رشّحوه للرئاسة ويريد تعويضاً».

الاشتباك الانتخابي

شرارةُ الاشتباك الانتخابي اندلعَت بعد كلام لوزير الداخلية نهاد المشنوق خلال مؤتمر «الإطار القانوني للانتخابات البرلمانية» في فندق «فينيسيا»، أكّد فيه جهوزيةَ وزارة الداخلية الآن لتنظيم الانتخابات النيابية على أساس قانون الستّين»، كاشفاً عن أنّ «أيّ قانون جديد يَستلزم أشهراً لوضعِ ترتيبات إدارية لتنفيذه وتثقيفِ الناخبين وتدريب الموظفين والإداريين حوله، ما سيتطلّب تأجيلاً تقنياً للانتخابات».

وفي المؤتمر نفسِه، ردّ وزير المال علي حسن خليل على المشنوق، معتبراً «أنّ طريقة عرضِ المسألة من قبَل وزير الداخلية توحي وكأنّنا سنصِل إلى مرحلة إمّا عدم إجراء الانتخابات وإمّا قانون الستين، وهذا أمرٌ يشكّل لنا خطورةً كبيرة، لأنّ التجربة أثبتَت أنّ هذا القانون أعاقَ وما يزال يعيق تطوّرَ حياتنا السياسية وتأمينَ الوصول إلى مجلس نيابي يعكس بحقّ تمثيلَ اللبنانيين» وقال: لا أعتقد أنّ إقرارَ قانون جديد هو مسألة معقّدة لهذه الدرجة.

لا نستطيع أن نَستهبلَ اللبنانيين وأن نعتبرهم متخلّفين عن المواكبة والمتابعة والقدرة على التجاوب مع إقرار قانون انتخابيّ جديد. اللبنانيون أوعى من ذلك بكثير، والمسؤولون عن العملية الانتخابية ربّما مع تدريب لمدّة قصيرة يستطيعون أن يديروا العملية الانتخابية بقانون جديد، خاصةً أنّ إدارة هذه العملية تشترك فيها إدارةُ مجتمع مدني فاعل وناشط، وأحزابٌ سياسية تخوض هذه الانتخابات.

شهيّب

وفي تعليق على كلام المشنوق، وبعدما كان قد وافقَ الحزب «التقدّمي الإشتراكي» على القانون المختلط الذي تقدّمَ به مع «القوات اللبنانية» وتيار «المستقبل»، أكّد وزير الزراعة أكرم شهيّب لـ»الجمهورية» أنّنا

«مع إجراء الانتخابات في موعدها، ونرفض التمديد مجدّداً لمجلس النواب، فإذا استَطعنا أن نتّفق جميعاً على قانون يحظى بإجماع وطني ومنبثق من روح الدستور فنحن نؤيّد هذا الأمر، أمّا إذا لم نتّفق

على هذا الأمر، فنحن مع إجراء الانتخابات في موعدها ولو وفقَ قانون الستّين».

ديب

بدوره، أكّد عضو تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب حكمت ديب لـ«الجمهورية» أنّ «العودة إلى قانون الستّين تخالف روحيّة خطاب القسَم»، مشدّداً على «أنّنا لن نقبل بالعودة إليه لأنّه تمديد مقنَّع، ونحن نسعى إلى إقرار قانون جديد يؤمّن صحّة التمثيل».

وأوضَح ديب أنّ «الكلام الذي قاله المشنوق هو تقنيّ ويتعلّق بعمل الوزارة، وليس بالضرورة أن يعبّر عن موقف تيار «المستقبل»، خصوصاً أنّ الحريري أكّد ضرورةَ الوصول إلى قانون جديد».

وأكّد أنّ «التيار الوطني الحرّ» يرضى باعتماد قانون عادل وفقَ معايير موحّدة وعدم تقسيم الدوائر باستنسابية»، لافتاً إلى أنّ «أيّ قانون يجب أن يأخذ في الاعتبار النسبية»، متمنّياً التوافق على مشروع جديد، لا أن نصل إلى القرار الصعب، فتؤجَّل الانتخابات أو نعود إلى «الستّين».