يحتاج المرء إلى نظارات سوداء كتيمة كي لا يرى حجم الافتعال في التفاؤل المعمم بين اللبنانيين. أو قد يحتاج إلى نظارات وردية زاهية ليقتنع بأن الأمور قد تتحسن ويتوقف الاندفاع نحو الدولة الفاشلة.

نزول أنصار التيارين، «الوطني الحر» و»المستقبل» إلى الشوارع للاحتفال بتولي ميشال عون وسعد الحريري منصبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء لا يزيد عن كونه إمعاناً في اصطناع فرح لا مكان له من الإعراب. ولعل التركيز على مظاهر الابتهاج غطى على تشييع أربعة عشر مقاتلاً من «حزب الله» لقوا مصرعهم (على دفعتين) في معارك حلب.

تقول ازدواجية الاحتفالات وسط الجنائز أشياء كثيرة عن الكيفية التي يتصور فيها حكّام لبنان الجدد القيام مهماتهم. سيكون لبنان وفقهم «عربة تسير بسرعتين»: الأولى هي استمرار المحاصصة بين زعماء الطوائف وممثليهم في الحكومة على غنائم المال العام، وإعطاء انطباع أن الأمور تسير على ما يرام في إدارة الشؤون الحياتية اليومية للمواطنين. والثانية الإصرار على الانغماس في حروب المنطقة والاعتقاد بأن وجود آلاف المقاتلين اللبنانيين في سورية واليمن والعراق، مسألة «تقنية» لا يجب أن تُعرض على النقاش العام ولا يجوز أن تؤثر في سير الحياة «الطبيعية». بكلمات ثانية: دعوا «المقاومة» تدافع عن لبنان في وجه التكفيريين في حلب وترسل المدربين إلى اليمن والعراق، واهتموا أنتم بالحصول على المزيد من القروض والهبات لتسيير عجلة اقتصاد متعثر وتأجيل الانهيار الاجتماعي قدر الإمكان.

يعتقد مروجو هذه الثنائية التي ستتبناها الحكومة المقبلة بالقدرة على القفز على أكثر من حبل في وقت واحد وفي إمكان عزل آثار التورط بالحرب السورية من خلال المزيد من القمع والإذلال ضد اللاجئين السوريين الذين تجري محاولات من أكثر من طرف لجعلهم موضع كراهية اللبنانيين مجتمعين.

بيد أننا نعيش في عالم يزداد الترابط بين مكوناته وتتداخل فيه العوامل المؤثرة. العالم الذي ينتظر نتائج الانتخابات الأميركية بعد غد الثلثاء، لا يهتم كثيراً بلبنان وما يجري فيه. لكن هذا الأخير سيضطر إلى تحمل عبء كل التغيرات التي ستفرضها نتائج الانتخابات الأميركية، وشكل العلاقات التي ستقيمها الإدارة المقبلة مع الأطراف الإقليميين وتصورها لإنهاء الصراع في سورية.

أمام وقائع شديدة القسوة تنتظر اللبنانيين، ليس لدى الطاقم الجديد - القديم غير الفولكلور ملجأ. فجرت استعادة زجليات عن «الرئيس القوي» الذي «صنع في لبنان» وهو في الوقت ذاته والد للجميع (الشعار الموازي لـ «كبير العيلة» الذي تغنى به أنور السادات)، في حين لا تفوّت إيران فرصة للتذكير بأن انتخاب ميشال عون انتصار صريح لسياساتها في المنطقة. صحيح أن الثبات على مبدأ ونهج ليس من صفات السياسيين اللبنانيين، لكن الصحيح أكثر أن الاعتقاد بسهولة إنهاء منظومة المصالح والعلاقات المكرسة منذ تفاهم مار مخايل في 2006، ينم عن تبسيط مُخلّ للأمور.

فوق كل ذلك، لا يندر أن يظهر على الشاشات من يستعيد كلمات من نوع «شعب لبنان العظيم» وهناءة العيش المشترك والاستقرار الذي ينعم فيه لبنان وسط عواصف المنطقة المرشحة أن تستمر لعقود مقبلة. ويبقى السؤال: ما الثمن الذي سيتعين على مواطني هذه البلاد دفعه، ثمناً لاستقرار شكلي يغطي التفسخ العميق؟