الفضيحة اليومية التي يبدأ بها اللبنانيون نهاراتهم، لم تعد استثناء في الحياة العامة. صارت هي العلامة المميزة لعهد وحكومة وسلطة لا يستطيع أي منها العمل إلا من خلال انتهاك القانون والتلاعب بالمصلحة العامة وتجاوز الدستور.

عناوين الأخبار في الأسابيع القليلة الماضية يصح اختصارها في سؤال واحد: ما هي فضيحة اليوم؟ استعراض أحداث الأيام السابقة هو استعراض لفضائح تتشارك كل القوى السياسية «البطولة» والتمثيل فيها بل وإخراجها ووضع الموسيقى التصويرية لها. إعفاء الزوار الإيرانيين من ختم الدخول إلى لبنان، اليخت الوزاري مقابل تمرير صفقة بواخر الكهرباء، مرسوم تجنيس أشخاص تحوم حول سجلاتهم القضائية شبهات قوية، فلتان السلاح والقتلى الذين يسقطون يومياً في حوادث تسجل ضد مجهول، مرسوم تعيين القناصل، خراب البيئة، أزمة النفايات المستمرة، اعتقال الممثل زياد عيتاني ثم ظهور براءته، الاستيلاء على المشاعات والأملاك العامة، افتعال مشكلة إقامات موظفي منظمة الأمم المتحدة للاجئين، تسعير الخطاب العنصري والطائفي... إلخ. غني عن البيان أن كل حالة من هذه الحالات تتطلب تفسيرا وتدفع إلى سجال ينتهي نهاية غامضة.

وهذه مجرد عينات عما يمرّ المواطن اللبناني قربه من دون مبالاة. لماذا؟ لأن المواطن المذكور يعتقد، خاطئاً طبعاً، أن هذه القضايا وما يفوقها خطراً لا تؤثر على معاشه اليومي. المواطن هذا أدرك أن الانتخابات النيابية الماضية ليست سوى استفتاء على بقاء الائتلاف الحالي ممسكاً باقتصاد وأمن وسياسة البلد الخارجية، فأودع صندوق الاقتراع اسم مرشحه الطائفي الفاسد، ليظن بذلك أنه قد وفر لنفسه الحماية التي تقدمها الطائفة حيال أخطار تمثلها الطوائف المعادية أو أجهزة تطبيق القانون.

أهم من ذلك، تعلمنا الحالة اللبنانية أن الفضيحة لا تتحول إلى قضية عامة تساهم في علاج الفساد أو إصلاح انحطاط النظام السياسي، ما لم ترفدها أدوات وأجواء عدة ليست متوافرة في لبنان. من الأدوات المفقودة هذه، الإعلام المستقل القادر على المتابعة وكشف أثر الفضيحة على حياة الناس ورفاههم وصحتهم ومدارس أولادهم. الإعلام عندنا جرى تدجينه وإلحاقه بمنظومة المصالح الحزبية. فلا تكتب صحيفة أو تبث محطة تلفزيونية ولا ينشر موقع إلكتروني كلمة، إلا بعد تمريرها بمرشحات (فيلتر) الربح والخسارة الشخصية والفئوية.

أداة مفقودة ثانية هي استقلال السلطات بعضها عن بعض ورقابة بعضها على بعض وتوازنها. وهذه من الأسس البديهية لدولة القانون. والحال أن التحالف الحاكم في لبنان لا يترك مجالاً لأي من أجهزة الرقابة الرسمية أو المجتمعية أن تقوم بمهماتها من دون أن يتدخل بوسائله المعروفة من ترغيب وترهيب وإعاقة. فتصيب الأجهزة الرقابية ما أصاب الإعلام من تعطيل عن أداء الدور المفترض وتلتحق بفلك النافذين.

عليه، تبقى الفضيحة في إطار الثرثرة التي تنتهي بظهور فضيحة جديدة لتبدأ جولة جديدة من الأقاويل والمزايدات... وهكذا، إلى أن يقضي الله أمراً. ويجري ذلك كله تحت شعارات «الشطارة» و «إذا لم يكن الوزير الفلاني فاسداً، فسيكون غيره أكثر فساداً»، و «المهم أن جماعتنا استفادت» وما شاكل من تعابير تنبع من مستنقع الجماعات اللبنانية التي لا تميز بين الأسن وبين الاستقرار.

والفضائح بهذا المعنى حلّت مكان السياسة كمظهر من مظاهر اللاجدوى والفراغ ومحاولة ملء الخواء بالكلام الرنان وصور «السيلفي» وتهويل مغاوير العهد القوي وتهديداتهم ورفع الغرائز العنصرية إلى سوية الهوية الوطنية. بذلك، لم تعد الفضيحة عملاً يتعين إخفاءه أو الشعور بالخجل إزاءه، بل دليل انتماء إلى وطن ينتج الفضائح ويستهلكها كغذاء يومي.