يتكرَّس الانطباع في الرابية بأنّ التحالف مع «حزب الله» كان «صفقة خاسرة» في تحقيق أهداف العماد ميشال عون، وأبرزها رئاسة الجمهورية، ولو كان صفقة رابحة في «تكبير الأحجام» والمكاسب في المجلس والحكومة. لكنّ قدَر الرابية أن تدرك هذه الحقيقة... وتبقى صامتة!يراجع عون حساباته مرّة أخرى، بعد 10 سنوات على «ورقة التفاهم»، ولا يقول شيئاً. لكن في الرابية مَن يقول: «ذهب «الجنرال» إلى «التفاهم» عندما يئس من «14 آذار» باكراً ووجد أنها خاضعة لثنائية الحريري- جنبلاط اللذين يتصرّفان فئوياً لا 14 آذارياً «عند الحشرة»، وأنّ هذا الفريق يخشى «حزب الله» ويقدم له التنازلات التي لا قعر لها. واستنتج عون أنّ التسويات يصوغها الرجلان دائماً بشراكة الرئيس نبيه برّي، لكنّ الثابتة الوحيدة هي أنّ شيئاً لا يمرّ إلّا بتوقيع حزب الله».

لقد قرّر عون الذهاب مباشرة إلى صفقة مع «الحزب» تريحه من كلّ شيء. وأراد مِن تحالفه معه أن يُحقّق 3 أهداف معاً:

1 - إنهاء الاستئثار الحريري - الجنبلاطي بالحصة المسيحية الذي تكرَّس خلال المرحلة السورية. وهذا يعني إمكان «الثأر» من «اتفاق الطائف» الذي يعتبره عون علامة انهزامه في المواجهة العسكرية - السياسية التي خاضها في نهاية الثمانينات من القرن الفائت.

ففي تقدير الرابية أنّ الشيعة يمكن أن يتفهّموا الشعور بالظلم الذي ينتاب المسيحيين نتيجة الاتفاق، إذ كان الميزان السنّي راجحاً في صياغته، وعلى حساب المسيحيين لا سواهم.

وفي الخلاصة، قفز عون إلى «حزب الله» عندما وجد أنّ الحريري وجنبلاط يبيعان الشريك المسيحي في التسوية كلما اقتضت مصالحهما أن يقوما بذلك. فقرّر أن يكون موجوداً كمُحاور إلى الطاولة لا مادة مساومة عليها.

2 - إنّ اللجوء إلى «حزب الله»، شريك برّي في الثنائي الشيعي، من شأنه أن يعدِّل في الاتجاه التسووي الثلاثي الذي يقوده برّي عادة مع الحريري وجنبلاط ليشمل قطباً رابعاً هو عون. وفي حسابات الرابية أنّ «حزب الله» سيكون مضطراً إلى مراعاة الحليفين معاً، بري وعون، وهذا مكسبٌ أساسي.

3 - إنّ التحالف مع «حزب الله» من شأنه أن يفتح الأبواب لعون على دمشق ما ينهي الحال الصدامية التي كلّفت المسيحيين كثيراً في مرحلة الوصاية السورية، والتي استثمرها الآخرون للاستقواء على المسيحيين.

وجد «حزب الله» ضالّته في التحالف مع عون. فهو حصل على تغطية مسيحية ثمينة ساعدته على التخفيف من صورته كقوة فئوية في لحظة خروج سوريا وطرح ملف السلاح على الطاولة وخلال حرب 2006 وانطلاق المحكمة الدولية وفي الحرب السورية ومحطات كثيرة. وإذ رغب عون في التطبيع مع دمشق، أراد «الحزب» الاستفادة من التحالف مع قطب مسيحي بهذا الحجم لتحسين صورته في الغرب.

اليوم، ينمو انطباعٌ في الرابية بأنّ الأهداف العميقة التي أرادها عون لم تتحقّق: التسويات ما زالت تُعقد بين القوى إياها، وتستثني عون والقوى المسيحية الأخرى، ولم يحصل أيّ تصحيح في الخلل الذي أرساه «إتفاق الطائف».

أما دمشق التي كانت صاحبة كلمة نافذة عند إبرام ورقة التفاهم في 2006 فمنشغلة بنفسها. بل إنّ صورة عون كحليف لـ«الحزب» والرئيس بشار الأسد ضربته في السعودية وزادت في تعطيل فرصه لبلوغ قصر بعبدا. لكنّ «الحزب»، في المقابل، استفاد من تغطية عون المسيحية داخلياً وخارجياً، ليكون مرتاحاً في مواجهاته المفتوحة على مدى سنوات.

في مراجعة الرابية لمسار التحالف مع عون، ما الأرباح وما الخسائر؟

الانطباع السائد هناك هو أنّ الصفقة كانت «خسّيرة». ويهمس البعض بالقول: حصلنا على المكاسب الجانبية، وعلى تكبير الأحجام في المجلس النيابي والحكومة، لكنّ ذلك لم يترجم لا بالوصول إلى بعبدا ولا حتى إلى اليرزة ولا بتصحيح الخلل الميثاقي، ولا سيما قانون الانتخاب. ولا يُسمَع صوت المسيحيين في أيّ ملف، وحتى الصفقات الكبرى باتت تُدار في منأى عنهم.

في الرابية، يتردّد «أنّ «حزب الله» لم يحزم موقفه لانتخاب عون رئيساً للجمهورية، على رغم أنه يملك الرصيد الذي يتكفّل بتحقيق ذلك، وأنه سار في التمديد للمجلس النيابي مرتين على رغم اعتراض حليفه المسيحي، وأنه لا يجاريه فعلاً لا في قانون الانتخاب ولا في الملفات الحسّاسة».

ويُقال أيضاً في الرابية: «في المسائل التي يعلن فيها الرئيس برّي موقفاً مخالفاً لموقف «التيار الوطني الحر»، يقف «الحزب» إما إلى جانب الشريك الشيعي وإما في «نقطة رخوة»، كما هو الأمر اليوم بالنسبة إلى انعقاد مجلس الوزراء، إذ هو لا يشارك عون مقاطعة الجلسة.

وجاء اتفاقُ معراب ليحوِّل الشكوك يقيناً في الرابية. فليس سهلاً الاقتناع هناك بأنّ «حزب الله» ليس قادراً على إقناع النائب سليمان فرنجية بالانسحاب لعون. فعلى الأقل هو يستطيع أن يقول له: «أترك المجال لـ«الجنرال» الآن، وسيكون لك متسّع من الوقت لتحظى بكلّ دعمنا في جولات لاحقة!».

اليوم، يستعدّ عون للتصعيد أكثر من أيّ يوم مضى بعدما ضاقت الفرص أمامه تماماً. ولأنه لم يعد يمتلك كثيراً ليخسره، فقد يقوم بما ليس متوقعاً من اليوم وحتى موعد خطابه السنوي في ذكرى 13 تشرين الأول.لكنّ «حزب الله» سيكون في المرصاد لتنفيس احتقان عون، بحيث لا يبلغ الانفجار.

وعلى الأرجح سيقتنع عون بنصائح التهدئة فيبقيها مضبوطة لئلّا يصل بخلافه مع «الحزب» إلى حيث لا يريد طرفا «التفاهم»، ولئلّا يسجّل عليه أحد أنه ساهم في إسقاط الحكومة، في ظلّ شغور موقع الرئاسة وشلل المجلس النيابي.

العلاقة بين عون و«حزب الله» تبدو كالعلاقة بين زوجين يدرك كلٌّ منهما أنّ الآخر يقيم علاقاتٍ مع شركاء آخرين خارج الزواج الشرعي، لكنهما يحاذران الطلاق لإدراكهما أنّ أكلافه أكبر من أكلاف الحفاظ على الزواج... مهما كانت كبيرة ومريرة.