لم تشفَع للرئيس سعد الحريري كل مُحاولاته التكفير عن ذنب اقترفه عام 2011، حين وصف ولي العهد السعودي محمّد بن نايف بأنه «سفّاح»، في تسجيل لإفادته أمام لجنة التحقيق الدولية بثّته قناة «الجديد».

منذ ذلك الحين، لم تقُم للرجل قائمة، بعدما كلّفه «تجرّؤه» على «أولياء الأمر» ثمناً باهظاً، بدأ يدفعه من رصيد شركة «سعودي أوجيه»، حين اتُخذ قرار بعزلها من العمل في داخل السعودية، ما أوقع الحريري في مأزق مالي شديد، أوصل الشركة إلى حافة الإفلاس.
منذ فترة طويلة، والحديث يدور عن مستقبل الشركة، أو عن مطالبة السعودية بالحصول على نصف الأسهم فيها. رُغم كل المعلومات التي تتحدّث تارة عن قرب انهيارها، والقرار السعودي بمساعدتها تارة أخرى، تجزم مصادر مقرّبة من رئيس تيار المستقبل بأن «الشركة انتهت»، وما الإجراءات التي باشرتها المملكة سوى «خطوة أولى على طريق إفلاسها». وأشارت إلى أن «كل الدلال الذي عاشه الحريري وتنعّم به طيلة السنوات الماضية بصرف عشرات المليارات من الدولارات ودعمه سياسياً وإعلامياً انتهى إلى غير رجعة». بصريح العبارة «انتقم بن نايف لنفسه، ونجح ــــ بعد رفض كل المساعي التي قام بها أمراء سعوديون ــــ في فرض رؤيته على الأمير محمد بن سلمان الذي كان ينوي إنقاذ الشركة». وتقرّر في النهاية أن «تضع جهة رسمية سعودية يدها على الشركة»، رجّحت المصادر أن تكون «مؤسّسة النقد العربي السعودي» التي ستتولّى حلّ مشكلة العمّال، وإدارة الأزمة المتعلّقة بهم.

منذ أيام، أمر الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وزير العمل والتنمية الاجتماعية السعودي مفرج بن سعد الحقباني بالبدء بصرف رواتب الموظفين وتأمين احتياجاتهم بالتعاون مع الوزارات وسفارات الدول التي ينتمون إليها. شكّل هذا الإجراء بارقة أمل، فسّرها البعض بالتفاتة سعودية للحريري. لكن في الواقع، وبحسب معلومات مستقبليين بارزين، لم يكن هذا الأمر لإنقاذ الشركة التي تعاني من عدم قدرة على دفع رواتب العاملين فيها منذ منتصف عام 2015، بل هو «خضوع سعودي للضغط الذي تتعرض له المملكة من قبل دول كبيرة، تدخلت دفاعاً عن مواطنيها العاملين في الشركة، الذين يعانون من انقطاع مداخيلهم كما انقطاع الخدمات المرتبطة بوضعهم الوظيفي والقانوني، وفي مقدّمتهم فرنسا».
وكانت شركة «سعودي أوجيه» قد دخلت في مفاوضات مع أطراف تجارية لبيع حصة تبلغ 60% من أسهمها، بهدف إعادة هيكلة الديون المتراكمة عليها. وتشمل هذه الديون الرواتب المتأخرة وتعويضات نهاية الخدمة، ومستحقات المقاولين، إضافة إلى قروض مستحقّة لعدد من المصارف السعودية والدولية.
وفي هذا الإطار، نقلت صحف سعودية أخيراً عن مصادر في «سعودي أوجيه» أن «4 جهات حكومية أوقفت الخدمات عن الشركة نتيجة تأخر الرواتب»، وهي وزارة الداخلية ووزارة العمل والتأمينات الاجتماعية ومجلس الضمان الصحّي. وتحدّثت الصحف عن «توقّف خدمات تجديد الإقامات لعدم تسديد الشركة التزاماتها للتأمينات الاجتماعية، وكذلك التأمين الصحي». وكشفت أن السلطات السعودية باشرت إجراءات لمعالجة قضية موظفي الشركة، من خلال تخيير العمالة المتوقفة رواتبها بين نقل خدماتها إلى كفيل آخر أو تجديد الإقامات مجاناً، أو إعطائها تأشيرة الخروج النهائي لمن يرغب في مغادرة البلاد.
بعد أسابيع قليلة ستتضح الصورة أكثر، ليتبيّن مصير الشركة التي يرجّح أنها ذاهبة نحو الانهيار الحتمي. ولكن، ما معنى ذلك وتأثيره على مستقبل الرئيس الحريري سياسياً في لبنان؟
تستغرب مصادر المستقبل أن «لا تعي المملكة خطورة ما تقوم به تجاه الرجل». صحيح أن «الحريري ارتكب من الأخطاء السياسية ما لا يحصى منذ عام 2009، لكن لا يُمكن التعاطي معه بهذا الأسلوب». فهذا «سعد الحريري ابن رفيق الحريري الذي قضى لأنه دافع عن مشروع السعودية في لبنان، وليس مبرراً القول إن الأولوية اليوم هي للصراع في اليمن وسوريا، وإن الساحة اللبنانية محيّدة عن الصراع في المدى المنظور». وترى أنه في حال الإفلاس عليه أن «يقرر هو مستقبله السياسي، وما إذا كان في استطاعته الاستمرار، وخصوصاً أن كل التسويات معلّقة على وقع التطورات الإقليمية والدولية، ويمسك بها داخلياً حزب الله الذي لم يعلن حتى اليوم موقفاً واضحاً من الحريري والقبول به كرئيس للحكومة في حال نجحت التسوية». أما عن أزمة الرواتب في تيار المستقبل في لبنان فهي «مرشحّة للتفاقم، وكل الوعود التي قدمت للموظفين خلال الأشهر الماضية تبخّرت، لأن الأزمة المالية قائمة ولا بوادر لحلها في المدى المنظور»، مرجّحة أن ينفجر الوضع داخل التيار «خلال شهرين أو ثلاثة على أبعد تقدير».