العلاقة التي بدأت بين السنية السياسية ما بعد الحرب الأهلية والسعودية كانت مرتبطة بشخص  رفيق الحريري. الرجل لم يكن يعبر عن شخصه بقدر ما كان يعتبر مشروعا قائما بحد ذاته أنتج طوال فترة حكمه محطة زمنية في الحياة السياسية اللبنانية باتت تعرف بالحريرية السياسية التي إرتبطت بحليف إقليمي سياسي وإقتصادي قوي تمثله المملكة العربية السعودية. ولم تكن الحريرية السياسية قائمة على شخص بل أصبحت ثقافة في الحياة السياسية في لبنان لها أدواتها وعرابيها ولغتها وإيديولوجيتها ومقوماتها وطريقة حكمها الخاص.

  على زمن الحريري الأب،  كان الرجل يعتبر مشروعا قائما صاحب رؤية ضمن السياسة السعودية العامة ولم تكن العلاقة التي تربطه بالمملكة علاقة التبعية العمياء بل كانت علاقة تعبير عن رؤية وإدارة وحكم تمتع فيها الحريري بفضل خبرته وحنكته بنوع من الإستقلالية.
    هذه المساحة من الحرية كانت محددة أو مشروطة بعدم التعرض لمصالح المملكة في لبنان والشرق الأوسط لكون الرجل كان فاعلا أيضا إقليميا. وكانت السعودية مؤمنة بخيارات رفيق الحريري السياسية في البلد وتؤقلم سياساتها إتجاه لبنان حسب رغبات ومصلحة الرجل. فكان ثقة عند العائلة المالكة خصوصا لمؤهلاته السياسية وما يمتلكه من حنكة وذكاء إستطاع من خلالها تأسيس منظومة إقتصادية وإعلامية وسياسية ورياضية وإجتماعية وثقافية عرفت بالحريرية السياسية. فباتت الحريرية السياسية حالة قائمة بحد ذاتها يعبر عنها من هم لا يرتبطون نسبا بآل الحريري، فهي قائمة على فكر وعقيدة ينطق بإسمها نخب من كافة الطوائف. وهذا هو الإستثمار الأنجح للسياسة السعودية في الشرق الأوسط.

  مشكلة سعد الحريري:   ورث سعد الحريري الزعامة السياسية لوالده ومارس تجربته السياسية التي بلغ عمرها حتى الآن 11 عاما. كانت تجربة مليئة بالفشل والإحباط على الرغم من حسن نوايا الزعيم الشاب. فهو فعلا يريد دولة وبناء دولة،  لكن مشكلة الحريري الإبن أنه مثالي جدا في مكان لا يعترف بالمثاليات خصوصا في الحياة السياسية اللبنانية. فالسياسة في لبنان هو فعل إيمان بالأمر الواقع لا المثاليات وكل محطة تصادم وإشتباك يجب أن تواجه وتحل بمنطق الواقعية لا الإسراف في المثالية. فالشعارات التي قدمها الشاب كانت جد مثالية لذلك يتهم اليوم بأنه قدم تنازلات.


هذه التنازلات بمنطق الواقعية السياسية اللبنانية مقبولة وتعد إنتصار وتسجيل نقاط لكنها بمنطق المثالية تعتبر هزيمة وتراجع. لم يستطع سعد الحريري التسويق لمشروعه الوطني بأسلوب واقعي يحاكي البيئة اللبنانية فإستغل خصومه هذه الخطيئة وأخذوا منه المزيد من التنازلات حتى الضربة القاضية إبان إسقاط حكومته في 2011.

  لم يمتلك سعد الحريري مهارة وحنكة رفيق الحريري،  هو إمتلك أهدافه وزعامته لكنه لم يمتلك أسلوبه في التعاطي مع خصومه.

 فالحريري الأب كان يحول تنازلاته إلى فرص تسوق بالحياة السياسية على أنها إنتصار بينما سعد الحريري يفتقد إلى هذه الواقعية والذكاء في المناورة.

  راقبت السعودية أداء الزعيم الشاب الذي تحول إلى تابع للسياسة السعودية لا محددا لها كما كان والده يفعل في لبنان. إستطاعت السعودية السيطرة كليا على قرار سعد الحريري لعلمها بإفتقاده لمقومات الزعامة والحنكة السياسية. لذلك في نقطة توافق سعودي- سوري طلبت منه الذهاب إلى سوريا ولقاء بشار الأسد ولبى الطلب وتراجع عن إتهاماته ضد النظام السوري بتصريح واحد كان كفيلا بالقضاء على مصداقية الرجل في باكورة حياته السياسية، ثم جاءت الضربة الثانية بإسقاط حكومته في 2011.

  طوال فترة ما بعد إغتيال الحريري سادت قناعة بأن ممر السعودية إلى لبنان يمر من آل الحريري بشخص سعد. هنا كانت خطيئة أخرى،  خطيئة إرتكبها النافذون في تيار المستقبل بعدم التفرقة بين الحريري والحريرية السياسية. فتجربة الحريري برفعه شعارات مثالية ورطت السعودية في لبنان وجعلتها تقدم على تقديم تنازلات في صراعها الإقليمي ما غير رأيها وجعلها تبحث في وجوه سياسية تتبنى أدبيات الحريرية السياسية.  ومع  زيادة التقدم الذي أحرزته إيران في المنطقة وبدء عاصفة الحزم وتسلم الملك سلمان زادت رغبتها. 

  ومن هنا يفهم تحرك وتمرد اللواء أشرف ريفي على سعد الحريري. فالأمر يعكس رغبة سعودية في توفير البدائل أولا وإعادة خلق دور محدد للحريري يواكب تطلعاتها مع توحيد للصوت السني في لبنان قاطبة للتصدي لخصمها اللدود إيران. تلعب السعودية مع الحريري لعبة المعلم والتلميذ،  تريد تعليمه من كيسه، وتحاول إفهامه أن الحريرية شيء وشخصه شيء آخر. بالطبع لا تريد إلغاء سعد الحريري كزعامة على الساحة،  لكنها تراهن على الوقت لتحويله زعامة مؤهلة للتصدي لحزب الله،  وفي الوقت البدل الضائع وحتى يصل الحريري إلى هذا المستوى،  تؤهل وتؤصل لزعامة أخرى تحاكي لغة العزم التي إعتمدتها كسياسة في الإقليم ضد إيران ومتمثل بأشرف ريفي. العبرة الأولى للحريري الذي تلقاها من درس إنتخابات طرابلس

  هي أنه هناك فرق بين منظومة الحريرية السياسية وبين شخصك،  والعبرة الثانية والأهم أن السعودية تتوجه نحو سياسة تعدد الزعامات السنية تحت غطاء الحريرية السياسية تكون عنوان لسياستها في لبنان،  يكون فيها سعد  الحريري الزعيم الأول لا الأوحد.