فيما تشكل الانتخابات المحلية في اي بلد من بلدان العالم فرصة للتنافس بين القوى السياسية والحزبية لابتداع البرامج التنموية ولاجتراح الحلول لمشكلات التنمية وتقديمها إلى الشعب في عملية تنافسية ليتم اختيار الأنسب والأكثر واقعية ومصداقية في تنفيذ البرامج التي يتم انتخاب أي من هذه القوى على أساسها.

إلا ان في لبنان فالأمر يبدو مختلفا تماما وبعيد كل البعد عن ممارسة هذه العملية الديمقراطية بشفافية وانسجام مع الحقيقة، إذ ان الانقسامات المحلية الطائفية والمذهبية والحزبية تسيطر على أي عملية انتخابية، ذلك ان القوى السياسية المهيمنة تطلق العنان لأدواتها للنفخ في بوق شحن الانقسام لتعزيز العصبيات والخلافات التي لا هم لها سوى إنتاج وإعادة إنتاج الزعامات المحليه في كل منطقة وفي كل قرية وفي كل حي وفي كل زاروب التي تدور في فلك قوى السلطة الحاكمة والممسكة بالمفاصل الحساسة في البلد. 

وفيما البلد اليوم يعيش أجواء التحضير لأجراء إنتخابات بلدية واختيارية في الشهر القادم. فإن أطراف السلطة الحاكمة يتسابقون للاعلان عن دعمهم لأنجاز هذا الاستحقاق في موعده، لكننا حتى اللحظة نجهل ما يضمرون، فهل يلتزمون بما يفصحون به؟ ام أن مصير هذا الاستحقاق الذي أصبح داهما سيكون كمصير الاستحقاقات الانتخابيه الأخرى؟

إذ ان استحقاق الانتخاب الرئاسي مضى عليه ما يقارب السنتين ولم تتفضل القوى السياسية المعطلة بالسماح لكتلها النيابية بالحضور إلى مجلس النواب لإنجاز هذا الاستحقاق، وكذلك فإن النواب وبكل وقاحة اقدموا على التمديد لأنفسهم مرتين دون ان يرف لقوى السلطة جفن، وقد يقدمون على الثالثة ودون ان يقوم هذا المجلس بأي دور تشريعي في أي من المجالات التي تهم المواطن والتي تساهم في حل بعض أزماته ومشاكله للتخفيف من الأعباء الملقاة على كاهله. 

والحكومة باتت مشلولة وعاجزة عن القيام بأعمالها ومهماتها ولم تعد موضع مساءلة، وتتخذ قراراتها بطريقة عجائبية وفريدة من نوعها وخالية من اي شكل من أشكال الديمقراطية وتفتقد إلى أي مظهر من مظاهر المسؤولية والمحاسبة، إضافة إلى الشلل الذي أصاب مختلف أجهزة الرقابة، والفساد يضرب ويجتاح مختلف الإدارات والمؤسسات دون حسيب او رقيب، ومسلسل الفضائح اليومية بات مجالا للاتهامات والاتهامات المتبادلة بين أهل السلطة وفرصة للتندر بين المواطنين الذين يستغربون ان يمر يوم من دون الإعلان عن فضيحة هنا وأخرى هناك.

الأمر الذي جعل أي مواطن لبناني يعيش حالة من القرف والسخط على هذا الواقع المزري وصولا إلى مرحلة العزوف عن المشاركة في اي من الاستحقاقات الانتخابيه بما فيها الإنتخابات البلدية، التي لا يرى فيها سوى إنتاج للزعامات السابقة التي تستند إلى قوة المحادل والبوسطات الحزبية والطائفية.

وهذا يعني أن المواطن فقد الأمل بالتغيير وأن هذه الانتخابات كغيرها لا تعبر عن توجهات وطموح الرأي العام،  ان تسابق زعماء أقطاب السلطة الحاكمة للاعلان عن تأييدهم لإنجاز استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية لا يعني بالضرورة أنهم في وارد إنجازها في مواعيدها.

فحزب ألله منهمك في الحروب السورية والتي تستحوذ على الجانب الأكبر من مقدراته اللوجستية والمالية والبشرية. وتيار المستقبل يعاني من أزمات مالية حادة ومنشغل في إيجاد حلول لتلك الأزمات الداخلية وتداعياتها، وقوى السلطة مجتمعة تحاول الهاء الناس بالحساسيات المحلية لصرف أنظارهم عن فضائحها وجرائمها. 

وعليه فإن احتمال التأجيل يبقى واردا بقوة وحتى صباح يوم الانتخاب، لكن يبقى السؤال هو إلى أي ذريعة ستلجأ إليها قوى السلطة ليتم تأجيل هذه الانتخابات،  وهنا تبرز الخشية من ان التأجيل لا يتم تبريره دون افتعال مشكلة أمنية قد تؤدي إلى إراقة الدماء، وهذا ليس غريبا على قوى تسلقت إلى السلطة بعد أن ولدت وعاشت وكبرت على ضفاف بحور من الدماء.