إتفاق الضرورة لم يستطع ان يزيل آثار العداء المستشري بين حزب الله وحركة أمل. فبين الطرفين بحور من الدماء وخلافات عميقة حول الهوية الشيعية وتباين كبير في الرؤى الإستراتيجية حول موقع الشيعة ودورهم في التركيبة اللبنانية، فضلا عن الاختلاف على المصالح حول العديد من القضايا الداخلية.

وإن كان هناك سعي دائم لتراكم طبقات من الرماد فوق الجمر الذي تؤججه أحقاد قديمة ومحاولات حثيثة لتوحيد الخطاب السياسي لتجنيب الفريقين اي صراع عسكري قد يفضي إلى مساحات واسعة من العداء بينهما،  فبالرغم من مرور أكثر من عقدين ونصف من الزمن على إتفاق دمشق 2 الذي أنهى حقبة من الحروب الشرسة والمعارك المسلحة التي دارت رحاها بين حزب الله وحركة أمل في العديد من المناطق اللبنانية وخصوصا في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت والذي تم التوقيع عليه بين ممثلين عن الطرفين في دمشق وبرعاية سورية وايرانية.

إلا أن ذلك لم يستطع أن يزيل الندوب والجروح العالقة في ذاكرة الفريقين. وخصوصا الجيل الذي شارك في هذه المعارك وعاش دقائق تفاصيلها،  أوساط حركة أمل لا تتوانى عن التذكير في المجالس الخاصة ان الحركة هي الأصل وأن حزب الله هو الفرع الذي خرج من عباءة الحركة وأن العديد من قيادات الحزب عاشوا في كنف الحركة وكبروا وترعرعوا داخل صفوفها، وأن ما أراده مؤسس حركة المحرومين التي تطورت إلى حركة امل الإمام السيد موسى الصدر من دور وفاعلية للحركة يقع ضمن شروط مكونات المجتمع اللبناني، وهذا يتناقص جذريا مع ما أراده حزب الله من تحويل الشيعة في لبنان إلى امتداد للمشروع الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه.

وبالتالي فإن الحركة ترى في الشيعة جزءا لا يتجزأ من منظومة العروبة بغض النظر عن الشوائب والمطبات التي ضربت التاريخ العروبي وتتمسك بالهوية العربية للشيعة وبالارتباط بحاضر ومستقبل العرب وعلى أنهم جزء منهم يتشاركون الهموم والمشاكل، وتنظر إلى العلاقة مع  إيران حتى من موقع شيعي على أنها يجب ان تكون علاقة ندية بين عرب وفرس وقائمة على الاحترام المتبادل.

في حين أن حزب الله يحاول أن يربط مصير الشيعة في لبنان بالمشروع الإيراني وليس ما يمنع من تحويلهم إلى أدوات لهذا المشروع ترخص معه الدماء والأرواح.  لكن هذه الاختلافات العميقة بين حزب الله وحركة أمل والتاريخ المأساوي العالق في الذاكرة والمتحصن بأكوام من الأحقاد الدفينة والعداء المستحكم. فإن الظروف فرضت على الطرفين تجاوز هذه الخلافات المغمسة بالدم، والالتقاء حول قواسم مشتركة تخدم  مصلحة الطرفين.

فنشأت على هامش الواقع السياسي والطائفي اللبناني الثنائية الشيعية حزب الله وحركة أمل وأدت إلى ضرورة الاتفاق على: أولا مصادرة القرار الشيعي وإلغاء الرأي الآخر وخنق أي صوت شيعي خارج إطار هذه الثنائية الشيعية ولو تطلب ذلك استخدام أبشع الأساليب وأكثرها وحشية. واحتكار حرية إتخاذ المواقف حتى ولو كان في هذه المواقف خروج على إجماع الطائفة الشيعية. 

ثانيا الاستئثار بحصة الطائفة الشيعية في إطار النظام الطوائفي اللبناني بحيث يحظر على أي مواطن شيعي الوصول إلى أي وظيفه خارج قناة الثنائية، وفي هذا افتئات على الكرامة والحرية الشخصية لأنه يضع كل مواطن لبناني شيعي أمام أحد خيارين احلاهما مر، إما الالتجاء لأحد قطبي الثنائية والاستسلام لشروط اللجوء مهما كانت قاسية ومغايرة لقناعاته، وإما حرمانه من حق من حقوقه على الوطن مع ما يترتب على ذلك في كلا الحالين من تداعيات تنعكس بشكل سلبي ومأساوي على هذا المواطن المغلوب على أمره. 

ثالثا وفي الاستحقاقات الانتخابية فإن خيارات الطائفة الشيعية تتحطم على صخرة بلوكات تحالف الثنائية الشيعية وتداس تحت وطأة المحادل التي تمسح كل صوت يغرد خارج السرب،  وجدير بالإشارة إلى ان إتفاق الضرورة فرض على طرفي الثنائية التنازل عن المباديء والشعارات التي اكتسب كل طرف شرعيته على أساسها، فمباديء السيد موسى الصدر لم يعد لها أثر في ممارسات عناصر حركة امل بعدما تحولت إلى ذكريات في أدبيات الحركة.

وكذلك فإن صراع مقاومة حزب الله إنتقل من العدو الإسرائيلي إلى صراع داخلي لتوزير وزير في الحكومة او انتخاب نائب في البرلمان او تعيين مجلس بلدي او فرض مختار في أصغر حي في آخر قرية لبنانية..