أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعود المولى خطورة الاتجاهات «المأسوية» التي يقود فيها «حزب الله« الشيعة في لبنان، مبعداً إياهم عن اجتماعهم الوطني وانتماءاتهم وهوياتهم، مشيراً الى التعبئة والتحشيد الطائفي والمذهبي والاستنهاض الحربي الذي بلغ اقصاه، ما استدعى تكرار التأكيد على «بيان الشيعة المستقلين» والقول لـ»حزب الله»: «ما تقترفون وما تقومون به وما تقاتلون لأجله ليس باسمنا ولا باسم الشيعة العرب».

    المولى عكس في حديثه الى «المستقبل» هواجس ومخاوف تستدعي تأكيد انتماء الشيعة الى الأمة العربية والى المنطقة وتأكيد انتمائهم الى مصالح لبنان أولاً. وفي المقابل يجب ألا يؤخذ الشيعة ككل في حساب «حزب الله« في التصعيد الحاصل ونتيجة سياسات الحزب الهجومية تجاه خصومه ما يجعل هذا التماهي للحزب مع الكتلة الشيعية تماهياً عنيفاً وقاتلاً وقاسياً.

  المولى اعتبر ان «لا انعكاس سلبياً جراء الانسحاب الروسي من سوريا على حزب الله المحكوم بأشياء مختلفة، والمرحلة هي مرحلة انتظارية، ولا انسحاب سريعاً للحزب من سوريا، ولا شيء يوحي داخلياً ان الحزب مستعد ان يفلت الاستحقاق الرئاسي من الحجز«، مشيراً الى «خلاف عميق تنافسي بين الأفق اللبناني/النجفي لحركة امل مقابل افق حزب الله القائم في مدينة قم الإيرانية. ثم إن حزب الله محكوم بسياسة الاصلاحيين في إيران بعد نجاحهم. ولقد جاء التصويت الشعبي في كل الانتخابات واضحاً جداً في الخلاص من ولاية الفقيه«.

  هنا نص الحوار مع الدكتور المولى والبداية في «بيان الشيعة المستقلين»:   يؤكد المولى أن «بيان الشيعة المستقلين يأتي في توقيته وهو من قطاعات واسعة من الشيعة ولكن هذا تراكم على مواقف سابقة حتى قبل العام 2005 جرى اتخاذ موقف وموقع مختلفين عن حزب الله. ونبّه الشيعة المستقلون الى خطورة الاتجاه الذي يقود فيه حزب الله الشيعة في لبنان إلى أمكنة بعيدة عن قناعاتهم وانتماءاتهم واهتماماتهم الحياتية. هذا كان قبل العام 2005، تفاقمت الأشياء بعد العامين 2005 و2011 وغرق حزب الله في حرب ومواجهة مع شعب عربي سوري شقيق وفي التعبئة للحرب والتحشيد الطائفي والمذهبي والاستنهاض الحربي بلغ اقصاه. 

  كان من الطبيعي أن تعلو الأصوات وأن تعلو الأصوات بقوة. وفعلياً التقينا حول بيان مشترك بين السيدين هاني فحص ومحمد حسن الأمين عام 2012.   هذا البيان كان شديد الوضوح بالقول لحزب الله إن الهدف الذي تدعون اليه وتسعون اليه ليس بالضرورة ان تقرّوه باسمنا، وما تقومون به ليس باسمنا ولا تقولوا انكم تقاتلون في سوريا باسم الشيعة أو باسم السيدة زينب أو الامام السيد الحسين، ولا تورطكم في نشاطات عديدة نحن موافقون عليه.


  هذا الموقف عبر عن موقف سياسي من حزب الله وعبر عن موقع المستقلين الرافض له«.   ويضيف: «من جهة أخرى الشيخ صبحي الطفيلي يمثل حالة ثانية قوية وأصلية وقديمة في الخلاف مع توجهات حزب الله ومنذ العام 1998. من جهته المفتي السيد علي الأمين يمثل نفس الحالة... وهناك العديد من التجمعات التي عبّرت عن نفسها منذ العام 2005. الحقيقة حاولنا ان نوحد فيما بينها. لكن فشلنا للأسف. ولعله ليس الأسف حقيقة ولعله يمكن القول الخير في ما وقع فمن الأفضل الحفاظ على التعددية والتنوع في الأصوات الشيعية المستقلة من علماء ورجال دين ومن شخصيات حزبية وسياسية وثقافية، سواء تلك التي كانت تنتمي سياسياً الى حركة أمل أو إلى أحزاب أخرى علمانية أو شيوعية. وهناك أيضاً عناصر عديدة منها تجمع لبنان المدني ولقاء الدولة المدنية وغيرها ناهيك عن تجمعات المشايخ العلماء المسلمين مثل الشيخ عباس الجوهري والمجموعة التي معه الى مجموعة من الشخصيات المهمة كالوزير السابق الأستاذ ابراهيم شمس الدين نجل الإمام محمد مهدي شمس الدين والوزير السابق الدكتور محمد عبد الحميد بيضون إلى العديد من الشخصيات العلمانية والنقابية والحزبية والثقافية المنتشرة في كل المواقع الفكرية والسياسية والحزبية والإعلامية. الوسط الشيعي لم يخل إذن من أصوات مخالفة ومعترضة على سياسة الحزب ومنذ زمن سابق على 2005».


  [ هذا الحراك يعكس جملة هواجس ومخاوف متحددة ومتقاطعة؟

  ـ يجيب المولى: «بالتأكيد نتيجة جملة من التحديات ويظلم كثيراً هذا الوسط بأنه لا يتكلم كفاية ولا يتحرك كفاية والواقع هو عكس ذلك. ما يجري هو حراك كبير من الوسط الشيعي المستقل. ولكن الحزب قوي كفاية ليقاوم أحزاباً ودولاً وقوى فكيف بحراك مدني سلمي لا يملك الا المعارضة بالكلمة وبالاطر السلمية والقانونية. هذا في حين أن بعض الذين يتكلمون اليوم بعصبية طائفية ومذهبية ضد الشيعة عمومًا أو ضد إيران كثقافة وحضارة وشعب كانوا إلى الأمس القريب يقبضون منها ويعيشون على دفعاتها ويضربوننا بسيفها«... ومع ذلك الحراك المدني مهم جداً ونجح بيان السيدين فحص والأمين باستقطاب عدد من التيارات الشابة والشباب الشيعي وأسماء مهمة. كمالك مروة ومصطفى فحص وعلي الأمين وحارث سليمان ومنى فياض وغيرهم. وأسماء أخرى وحشد على شبكة التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الإلكتروني مثل موقع «جنوبية« الى موقع «نيو ليبانون» ومواقع أخرى على شبكة الانترنت وهي تمثل أصواتًا لتيارات شبابية مهمة وهي أصوات قوية».


  [ إذاً إعادة إطلاق بيان الشيعة المستقلين يعكس عمق المخاوف والهواجس من المطارح البعيدة التي يقود «حزب الله« الطائفة الشيعية اليها؟   ـ «إعادة Yطلاق النداء هو أولاً تجديد أو تأكيد الانتماء الى الأمة العربية وإلى المنطقة العربية وتجديد الانتماء إلى مصالح لبنان أولاً وإلى مصالح المنطقة العربية.

  وإعادة رفع الصوت العالي بأولوية المصلحة الوطنية والمصلحة العربية لدى الشيعة اللبنانيين والشيعة في الاقليم ككل والقول بالفم الملآن ان الشيعة جزء من أوطانهم وجزء من أمتهم وبلدانهم وانهم ليسوا حالة خاصة تهدد أمن ومصالح أوطانهم وبلدانهم. هذا هو الموقف المبدئي. ثانياً، بالمقابل يجب الا يؤخذ الشيعة ككل في حساب حزب الله بعد التصعيد الحاصل اخيراً مع الأشقاء العرب، من دون ان يعني ذلك ان هؤلاء الشيعة المستقلين «تابعين» لجهة أو دولة وإنما الموقف المبدئي قول الاشياء الواضحة وكما هي وعلى السطح كما يقال «نحن لبنانيون أولاً»، وبنفس القوة القول: «نحن عرب أولاً وثانياً»، بمعنى أننا ننتمي إلى هذه الأمة العربية من محيطها إلى خليجها ولذلك نغلّب مصلحة المنطقة على أي شيء آخر.

    ثالثاً، نحن ندعو الى ان لا يكون الشيعة عنصر إخافة أو تخويف أو استفزاز أو تهديد لأمن وسلامة أي مجتمع في المنطقة، لذلك جاءت استعادة هذا النداء للقول إننا ما زلنا هنا:   «نحن مع انتفاضات الشعوب العربية من أجل الحرية ورفع الظلامة ومن أجل كرامتها الانسانية وحقوقها في المواطنة والديموقراطية. ونحن مع أحسن العلاقات مع كل الدول التي تعمل لمصلحة لبنان ومصلحة العيش الواحد ولمصلحة الأمن والاستقرار والتنمية في منطقتنا. هذا يضعنا في مواجهة حزب الله الذي أخذ الشيعة في لبنان إلى حائط مسدود وأخذهم الى المأساة حتى».

  [ وماذا عن تماهي الحزب مع المكون الشيعي وماذا بشأن تداعياته برأيكم؟   ـ «برأيي يكون ظالماً أو مخطئاً من لا يرى أن حزب الله في هذه اللحظة التاريخية يمثل الطليعة المقاتلة للشيعية السياسية، وبالتالي هي لحظة تماهٍ فعلي لقطاعات واسعة من الشيعة مع سياسة الغلبة التي يحقّقها ويضمنها الحزب، وهذا تماهٍ مع مصالح يحققها لهم من ضمنها هيمنة الحزب على الدولة وسياساته الهجومية تجاه خصومه مما يجعل هذا التماهي عنيفاً وقاتلاً وقاسياً».

  [ وانعكاس القرار الروسي بالانسحاب الجزئي على وجود «حزب الله« في الميدان السوري؟   ـ «أظن لن يكون هناك انعكاس سلبي على حزب الله جراء الانسحاب الروسي وهذا الانكفاء الروسي أملته سياسة الرئيس الروسي بوتين التي حققت مكتسبات أساسية تتمثل بالتالي:   1 ـ إنقاذ النظام السوري من السقوط. واستطاع الروسي من خلال دخوله العسكري على الارض ان يمكّن النظام من استعادة مناطق واسعة.   2 ـ زجّ الدخول الروسي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تحالف معه تحت عنوان مقاتلة «داعش» ما بدل في الأولويات بعد أزمة أوكرانيا. وكان الروسي يواجه بالغضب الأوروبي والتعامل معه «بالاستلشاق» وحتى الاحتقار، واستطاع بوتين بقراره الدخول الى سوريا استعادة علاقة مثل أنه قطب أساسي في العلاقات الدولية.   3 ـ دفع الروسي بأزمة اللاجئين إلى أقصى حدودها، الى حدود الدول التي خاصمته في الأزمة الأوكرانية وأخذ بعضها يستنجد به، وصار مطلبها التنسيق معه.   4 ـ ميدانياً، لا يستطيع بوتين أن يغرق أكثر في المستنقع السوري خصوصاً على أبواب حلب وانسحابه جاء لمنع مساهمته في تطويق مدينة حلب مع انعكاسات ذلك ميدانياً من مواجهة محتملة مع تركيا والولايات المتحدة الأميركية ناهيك عن السعودية.   5 ـ يأتي الروسي الى جنيف مسلحاً بهذه القوة ومن موقع كونه لاعباً أساسياً استطاع تحقيق الهدنة وقد حققها وفي الدفع قدماً بالعملية السياسية.

  هذا على الجانب الروسي، أما حزب الله فهو محكوم باعتبارات مختلفة.   فحزب الله محكوم وجوده في سوريا بسياسة الإصلاحيين في إيران بعد نجاحهم وبعد إخفاق المرشد علي خامنئي وبالتالي محكوم بالخطوات التالية التي سيقدم عليها الإصلاحيون في مجال العلاقات الدولية والاقليمية.

    هل سيبدأون سياسة انفتاح تجاه المملكة العربية السعودية وتجاه دول الخليج العربي عامة؟   هل سيعمد المتشددون في إيران الى الحلول مكان موسكو المنسحبة؟ لا يخفى على أحد حدة النزاع بين الاتجاهين في إيران؟».

    [ كيف تنظرون الى المشهد الإيراني المقبل؟   ـ «أعتقد أن الأمور ذاهبة باتجاه المزيد من نجاح الاصلاحيين في فكفكة علاقتهم المعقدة مع دول الخليج والأمثلة برأيي كثيرة.

  في لبنان لم يعطِ الإيرانيون لحزب الله مطلق القوة بأن يفعل ما يشاء، أما في اليمن فتنحو المسائل نحو التفاوض بين السعوديين والحوثيين مع تسجيل هدنة. وكان الإيرانيون قد بدأوا سياسة مد اليد صوب السعودية والخليج قبل التدهور الأخير الذي قاده المتطرفون ومنهم حزب الله. الإشكالية الأساسية التي تجعل من التصعيد هو الحاكم للأمور المقبلة أن كل الأمور تحصل في زمن تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن أي من أدوارها بسبب الانتخابات الرئاسية فيها. وهناك رأي في إيران بعدم إعطاء القديم في الولايات المتحدة أي الإدارة الأوبامية أي مكسب بانتظار الإدارة الجديدة. لذلك، المرحلة هي مرحلة انتظارية لمعرفة الجهة التي ستجري عملية التعامل معها لذلك نرى ونسمع أصوات التصعيد اللفظي عند حزب الله علماً أن الأمور هي رهن الانتظار».


    [ لا انسحاب إذاً لحزب الله من سوريا سريعاً؟   ـ «لن يستجيب حزب الله لنداء الانسحاب ولن ينسحب الحزب من سوريا إلا ضمن تسوية شاملة توافق عليها قيادته في طهران».   [ الوضع الانتظاري ينسحب على استمرارية الفراغ الرئاسي في لبنان؟   - «التجميد قائم ومستمر على ابواب مفاوضات جنيف والأمر متعلّق ايضاّ بمدى نجاح انعقاد جنيف، والنظام السوري بعد الانسحاب الروسي بدا فاقداً لأعصابه ومتردداً في جنيف، «شو بدو يجي يعمل في جنيف«، ويجد نفسه أمام مسؤولية الضغوطات لتنفيذ اتفاق المرحلة والحكومة الانتقالية وحيث لا مكان للأسد فيها؟

    هذا التردد برز في خطابات نصر الله الأخيرة واللافت «خفوت حديث نصرالله عن مستقبل الأسد، وهناك نوع من القبول العام بالمستقبل من دون الأسد في سوريا»، حتى الأكراد سارعوا الى إعلان استقلالهم وإعلانهم الدولة الاتحادية أو الفدرالية (من طرف واحد) الأمر الذي اثار تحفظات موسكو وواشنطن والدول الاقليمية.

    أعتقد أن هذا الإعلان من قبل الأكراد مدفوع به من النظام السوري نفسه لاستفزاز تركيا وحكومة اردوغان، يضاف اليه تصاعد أعمال التفجيرات في انقرة، خطوة صالح مسلم الكردية تأتي في مقابل تنسيق تركي قائم مع السعودية ودول الخليج العربي وذلك لإدراك النظام أنه يمكن لإردوغان وللفريق العربي ان يحقق في جنيف خطوات عملية باتجاه الحل الموقت اي المرحلة الانتقالية بالاستفادة من انسحاب بوتين العسكري».

  [ انسحاب غير كلي؟   ـ «الانسحاب الروسي لن يكون كاملاً، سيحافظ على قاعدتين جويتين وقاعدة أرضية في اللاذقية، وقاعدة بحرية في طرطوس، وهو أنجز ترسيم حدود الكيان العلوي. وعند الروسي نقاط اساسية وهو أعلن أن باستطاعته ان يدخل الى سوريا ساعة يشاء وفي ساعات حتى.   لكن الروسي أوضح لجماعته في الممانعة أنه ليس في الشيشان أو افغانستان وهو يمارس الضغوط على الأسد للقبول بالتسوية السياسية ويلمع صورته عالمياً، ثم ان دمشق ليست في وسط آسيا وهي كانت ورقة سياسية كبيرة بيده لتعزيز نفوذه دولياً أو للعودة الى قلب اللعبة الدولية.

  [ وبالعودة إلى الفراغ الرئاسي؟   «لا شيء يوحي بأن حزب الله مستعد ان يفلت الاستحقاق الرئاسي من الحجز». أي «تفليتة»، تعني انتخاب سليمان فرنجية رئيساً سيحدث بالنسبة للحزب بلبلة في كل حساباته وتحالفاته لا سيما مع الجنرال عون وكل تموضعه في لبنان سيكون على المحك، وقد يؤدي هذا التموضع الجديد الى فتح آفاق جديدة كأن يكون الاستاذ نبيه بري أقوى منه، ونحن نعرف ما بينه وبين حركة أمل وما نلاحظه تنافساً وخلافاً يتعمق في الآونة الأخيرة اكثر وأكثر.

  [ خلاف جدّي؟   ـ «خلاف جدّي بالتأكيد، وهذا الخلاف كان دائماً اصلياً ولكن الأوضاع حكمت التحالف ومنها جنى المكاسب من سياسة الغلبة على بقية مكونات الشعب اللبناني. حزب الله مارس الاستقواء بإيران وسوريا لتحقيق غلبة داخلية ونبيه بري استخدم استقواء حزب الله وغلبته العامة لتحقيق غلبة أساسية داخل تركيبة النظام. وجاءت الأمور في الغالب لمصلحة نبيه بري وعززت وضعه في النظام، وهكذا لعبها الأستاذ بري على نحو أن سلبيات الحزب يتحملها الحزب فيما الايجابيات له. وعلى مدار السنين الماضية التحالف الشيعي الثنائي استفاد معاً وحقق المبتغى لجهة الهيمنة على السلطة وعلى الدولة، ولكن حتى هذه الهيمنة بإيجابياتها تستقطب بالواقع نزاعاً على «الجبنة» والنفوذ والمصالح. ناهيك عن الخلاف العميق و»الأصلي» بين الافق اللبناني لحركة أمل والأفق اللبناني والنجفي حقيقة مقابل أفق حزب الله القائم في «ولاية الفقيه» الإيرانية».

  [ لن نرى ظهوراً لهذ الخلاف علنياً من مثل زيارة يقوم بها الرئيس بري الى المملكة العربية السعودية؟   ـ «أعتقد أنه يخاف ان يُقدم على هذه الخطوة، وهو بانتظار أن يقتنع الحزب ان مثل هذه الزيارة هي مصلحة له ايضا وهو ينتظر اعادة تحسين العلاقات الإيرانية ـ السعودية ليقدم على خطوته تلك».

    [ لا خشية إذا من توسع هذا الخلاف؟   ـ «كلا، الاختلاف لا يعني الاقتتال، البعض يتحدّث عن توزيع أدوار بين الثنائي، لكن الحقيقة ان هناك سياستين متنافستين. هل يمكن ان ينقطع هذا التعايش والمساكنة؟ هذا يتوقف على حزب الله. هل سيندمج حزب الله بالأفق اللبناني؟ هذا سيتوقف على سياسة الاصلاحيين بعد اسابيع على اكتساحهم لمجلس الخبراء وسقوط الأهم من المقربين للسيد خامنئي مصباح ومحمد يزدي. وتفوّق هاشمي رافسنجاني الذي جاء بفارق مليوني صوت عن منافسيه الساقطين في العملية الانتخابية.. لقد جاء التصويت الشعبي وكل الانتخابات واضحاً جداً في الخلاص من ولاية الفقيه».

  [ هذا لن يؤدي الى اشكال من النزاع داخل إيران؟   ـ «لا أظن ان الاصلاحيين في وارد الدخول في صراع عنفي ولكنهم لن يتخلوا ايضاً عن مواقعهم المكتسبة وسينتظرون التغيرات القادمة حتما، النزاعات الداخلية موجودة داخل كل دولة، نزاعات على السلطة. لكن إيران دولة تغلب الوحدة الداخلية على ما عداها وهذا ما حصل في الملف النووي من تغليب المصلحة الوطنية والقومية. حصل ان تصاعد الخلاف عام 2009 وما زالت قيادات 2009 في الاقامة الجبرية، سواء حسين الموسوي أو مهدي كروبي، في حين انتزع جواز سفر محمد خاتمي منعاً لمغادرته البلاد. برأيي سياسة الاصلاحيين الجديدة ستعمد الى تنفيس الاحتقان وانتزاع المواقع الواحد تلو الآخر ولكن بسلاسة. ونجاح الاصلاحيين في إيران يصب في مصلحة كل المعتدلين في المنطقة».

  [ كيف قرأتم نشر الوثائق التي تكشف عن تورط حزب الله في تفجيرات 11 أيلول؟   ـ «بمعزل عن الوثائق ومصادرها المستقلة ام لا، المنطق المقارن يقول انه ومنذ العام 1999 كان هناك تنسيق ما بين الشيخ اسامة بن لادن ونائبه ايمن الظواهري وبين قوى إيرانية، حتى ان هذا التعاون المسبق كان في السودان التي التجأ اليها بن لادن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

  إذاً التنسيق قائم ما قبل أحداث 11 ايلول/سبتمبر، والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وفي لقاء دولي تحت عنوان «الصحوة الاسلامية العالمية» أكد تأييد «الربيع العربي» والانتفاضات التي حصلت في المنطقة قبل اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا في آذار عام 2011، وهذا عكس اشارة مهمة ان قيادة الاسلام الممانع والمقاوم تقوم على خط القيادة الإيرانية ما يشكل امتداداً لشعارات بن لادن وجماعته وايديولوجيتهم الجهادية.

  وبمعزل عن الوقائع التي اوردتها الوثائق فقد حصل تنسيق بعد 2001 ما بين اميركا وإيران في أفغانستان ولاحقاً في اسقاط صدام حسين في العراق في العام 2003. وإيران هي البلد الذي استفاد من القاعدة وأحداث 11 أيلول/ سبتمبر. وهو البلد الوحيد، ولكن اضيف الى إيران مستفيداً آخر هو النظام الأسدي الذي برأيي له علاقة بكل هذه العمليات. وبواقع ما نعيشه في لبنان نحن نعلم ان 90 بالمئة من المجموعات الجهادية الداعشية تشتغل بخدمة النظام في دمشق كما كانت الحال مع ابو نضال في زمانه ايام الفلسطينيين«.

  ويضيف المولى: «هناك توجهان إعلاميان سياسيان اليوم:

  توجه نجح فيه نظام الاسد مع بوتين وحزب الله في تحويل المواجهة في المنطقة الى مواجهة بين المجتمع الدولي وداعش، ما وضع الطائفة السنية في خانة الدفاع. مقابل ذلك نشأ حديثاً توجه خليجي بتحويل هذا الاتجاه من خلال تبيان ان حزب الله أو مشغله في إيران وسوريا هم حلفاء القاعدة.

  في الحالتين، سيدفع الشيعة ثمنا باهظاً لأن المستفيد هو الكيان الصهيوني الذي استفاد من احداث 11 ايلول/سبتمبر على مستوى علاقاته الدولية وعلى مستوى شعوب العالم تحت عنوان انه ضحية الارهاب الاسلامي، واليوم العدو الاسرائيلي سيستفيد في الحالتين ليقول: «انا ضحية الارهابين السني والشيعي، وهو يستكمل الإطباق على الارض في فلسطين. وإذا نظرنا حديثا لعمل الجمعيات والنقابات المتقاطعة مع قضية الشعب الفلسطيني نرى كم اصبح صعباً إعلان التضامن مع القضية الفلسطينية لدرجة ان إعلان العداء للصهيونية يعني مباشرة التصنيف بالداعشي أو القاعدي أو حزب الله. ما يحصل على الارض في فلسطين هو الأسوأ ومع ذلك الشعب الفلسطيني على صموده وكفاحه«.

  [ أشرتم الى ذلك في كتابكم الصادر حديثاً بعنوان «السلفية والسلفيون الجدد»؟   ـ «هو كتاب عن السلفية بشكل عام، حتى أقول إن هناك سلفيين جدداً وهم خليط، اسميه «كوكتيل مولوتوف»، مزيج من سلفيه دينية/ تقليدية وجهادية ومذهبية.

  السلفية اليوم اصبحت بعكس منطلقها كدعوة تعكس اليوم جهازاً طائفياً وسياسياً وعسكريًا وتحمل اكثر بعد الهوية المذهبية الخاصة.

  أعطيت مثالاً عن السلفية السنية، نموذج «باب التبانة». فالشباب الذين حملوا السلاح واصلوا تقليداً خاصاً في «باب التبانة» منذ أيام علي عكاوي والمقاومة الشعبية ثم خليل عكاوي الماوي والفتحاوي ثم التوحيدي مع حركة التوحيد، وصولا الى السلفيين الجدد الذين نجد بينهم شباباً ينتمون الى الصوفية أو شباباً لا دينيين أو قبضايات..

  ما أريد قوله عن السلفية الشيعية والسنية إن السلفية لم تعد مسمى لدعوة دينية محافظة، وهذا يحدث عند الشيعة بمعزل عن القول بداية ان التشييع هو في الاصل دعوة سلفية دينية وان علماء السنة كانوا يصفون الشيعة بالسلفية وهذا كان قبل ابن تيمية». ما أقصده أن الشيعة الآن يعودون في حياتهم اليومية الى تمثلات سلفية ظلامية ميثولوجية. تستعيد الماضي وشخصيات الأئمة لتبني هوية مذهبية كفاحية وهذا أمر مأسوي. والشيء نفسه يحدث عند السنة من خلال السلفيين الجدد».

  [ نحن أمام أشكال جديدة من السلفية؟   ـ «نعم، وهذا ينسحب على صعود الأصوليات الدينية في كل العالم، ويأخذ أشكالاً مختلفة بحسب الثقافات وهو على نحو دونالد ترامب في أميركا أو بوتين أو لوبن في فرنسا.. هي مزيج من دعوات محافظة هوياتية تستخدم الدين كما الثقافة اليومية وتحشد التعبئة بكل اشكالها المذهبية أو الوطنية.. 

  الباحث السيكولوجي ايمانويل تود حلل في كتاب له التصويت الانتخابي للاحزاب الفرنسية ورأى كيف ان الطبقة العاملة الفرنسية التي كانت تنتمي الى الحزب الشيوعي وتصوت له صارت تصوت لصالح أقصى اليمين لوبن وحزبه، فلاديمير بوتين يجسد اليوم هذا الشكل من اشكال السلفية عبر التحالف ما بين الكنيسة الارثوذكسية مع القومية الشوفينية مع قاعدة الموظفين الشيوعيين السابقين. هذه الاصولية هي هوياتية وسلطوية«.


  [ نعود الى «دور الشيعة العرب» عنوان مؤتمر آخر لم يأخذ طريقه الى الاعلام؟   ـ «كان مؤتمراً أكاديمياً عقد في الدوحة، كان مؤتمراً مغلقاً بمعنى ان لا يأخذ طابعا سياسياً صرفاً في هذا الجو المأزوم. وكان الهدف منه تسليط الضوء على طاقات وكفاءات بحثية في المنطقة وعلى قضايا تتعلق بكيفية تحقيق الاندماج في الأوطان والشيعة مكون اساسي من مكونات هذه البلدان والأوطان العريية.

  ومن خلال ذلك تفكيك الدعوات المذهبية والهوياتية في الجانبين السني والشيعي لمصلحة نهج وطني ومدني وديمقراطي لبناء دولة لجميع مواطنيها والمؤتمر ساهم فيه مفكرون سنة وشيعة معاً.   لم يحظَ المؤتمر بالاهتمام بسبب حساسية الموضوع وبسبب انه كان مغلقاً ولكنه يؤسس لنمط جديد في التعامل مع قضايانا المشتركة بشفافية على مثال «السينودوس الكاثوليكي من أجل لبنان».

    [ هذا رهن مثال الثورات العربية؟   ـ «بعد 5 سنوات ما زلت على موقفي القديم المتجدد بأن الشعب العربي سينال حقه وتحديداً الشعب السوري سينتصر ويحقق أهدافه وان على حزب الله ان يعي ان لا شيء يقف أمام الحرية، وما من شعب قبل بالذل والاهانة والاحتلال وان كل التزويق الايديولوجي والمذهبي لحروب حزب الله لن تخفي حقيقة ان الحزب يخوض مواجهة خاسرة في سوريا».