يقف العلامة اللبناني السيد علي الأمين منذ ثمانينات القرن العشرين ضد منهج حزب اللـه واختطافه الرهائن الأجانب واستهداف المدنيين وتأجيج الصراع الأهلي.

ويؤكد عضو مجلس الحكماء المسلمين في أبوظبي ومفتي مدينة صور اللبنانية اشتراك تنظيمي داعش وحزب الله في منطق الخروج على الدولة والاستقواء بالتسلح،  ما انعكس على المجتمعات العربية وأدى إلى سفك الدماء وتهجير الأقليات الدينية من أوطانهم،  إلى جانب تبعات أخرى.

ويشدد الأمين على أن الحل الأمثل للقضاء على التنظيمات الإرهابية المتطرفة من مختلف المذاهب هو العودة إلى الاعتدال،  والاحتماء بمنطق الدولة،  معوّلاً في ذلك على الإصلاحات السياسية وتطوير مناهج التعليم.

في زمن طائفي ومتطرف كالذي تعيشه المنطقة الآن،  يبدو صوت الأمين خافتاً،  لكن همسة الحق أشد دوياً من صخب الباطل.

 

  • لك موقف قديم من (حزب الله) بسبب عمليات الخطف والإرهاب،  هل نصحتهم وماذا كان رد فعلهم؟

في ثمانينات القرن الماضي جرى نقاش كبير حول الخطف وشرعيته الدينية بيني وبين قيادات في حزب الله ومرجعيات دينية في خارجه، وكان رأينا وما زال هو رفض واستنكار هذه الأعمال واعتبارها غير مشروعة، وكان الرأي عند من جرى معهم النقاش تغليب الدوافع السياسية على الرؤية الدينية. 

 

  • هل تعتبر أن افعال (حزب الله) والحشد الشعبي في العراق وفي سوريا وفي لبنان موازية لداعش؟ 

نحن من الرافضين للخروج عن منطق الدولة والإستقواء عليها،  وهذه التنظيمات تشترك في منطق الخروج والإستقواء وإن تفوقت داعش بخروجها المسلّح واحتلال المدن والقرى وسفك الدماء وفي في الكثير من الجرائم البشعة كقتل الأسرى وقطع رؤوسهم وسبي واختطاف النساء وتفجير المساجد والكنائس والآثار وقتل الأجانب وتهجير الأقليات الدينية من أوطانهم وغير ذلك .

 

  • هل يمكن القضاء على داعش والإرهاب المنتسب للسنة من دون تقليم أظافر الإرهاب المنتسب للشيعة،  ألا تشعر أن المتطرفين في الجهتين يخدمون بعضهم بلا قصد بتشريع وجود الآخر؟

المطلوب هو العودة إلى الإعتدال ومنطق الدولة، وهذا يستدعي مواجهة التطرف بكل أشكاله وأسمائه إبتداءً بالإصلاح السياسي ومناهج التعليم،  وكلٌّ بحسبه.

  • هذا الإرهاب العابر للطوائف،  ما أثره على صورة الإسلام ووجوده ومستقبله وكيف يمكن حسم الصراع معه؟

لقد شوّهت هذه الأعمال صورة الإسلام في التسامح والإعتدال التي عاشها المسلمون قروناً مع بعضهم بكل مذاهبهم ومع غير المسلمين من شركائهم في الأوطان والتاريخ من مختلف القوميات والأديان.ومسؤولية مواجهة الإرهاب المسلح تقع على عاتق الحكام والدول التي يتواجد فيها.

 

  • ألا يمكن أن يكون هذا الانفجار الطائفي مقدمة لتكريس الإسلام المدني والتعددي كما حصل في أوروبا بعد نزاعات دموية طويلة؟

ما يبدو أنه صراع طائفي هو في الحقيقة صراع على السلطة والنفوذ بين دول وأحزاب توظف الخلافات المذهبية والدينية في مشاريعها السلطوية، وقد عاشت هذه الطوائف وهذه المذاهب في منطقتنا منذ القرن الثاني الهجري ولم يحصل ما يجري اليوم من إسقاط العناوين المذهبية على صراعات السلطة والسياسة.ويمكن الوصول إلى الدولة المدنية التي تقوم على قاعدة المساواة بين المواطنين بدون المرور بالصراعات الطائفية.

 

  • قامت السعودية بمبادرة لحوار الأديان،  وقامت الإمارات بتشريع قانون ضد التمييز الطائفي والعنصري،  كيف نظرت الى هاتين المبادرتين وأثرهما عربيا وإسلاميا؟

 إنهما مبادرتان رائدتان تؤسسان لمرحلة جديدة من تقدم الوعي في مجتمعاتنا على مستوى العلاقات، وتكشفان عن مواكبة العصر واستلهام روح الشريعة، ولا شك أن العالم ينظر إلى الإسلام من خلال علاقات دوله مع بعضها البعض ومع المواطنين ومن خلال المبادرات والقوانين. 

 

  • هل تؤدي أصوات الاعتدال السنية والشيعية دورها الواجب لوقف التحريض وإنهاء التطرف وتكريس الحوار والتسامح،  وكيف تنظرون الى تجربة هيئة حكماء المسلمين في أبو ظبي التي ضمت حكماء طوائف المسلمين ومذاهبهم؟ 

إن أصوات الإعتدال تبدو منخفضة بالقياس إلى ما تمتلكه أصوات التطرف من قنوات فضائية ووسائل إعلام أخرى مع الإمكانات الكثيرة المتوفّرة لجماعات التطرّف وأحزابه، هذا مضافاً إلى افتقار أصوات الإعتدال لجمع صفوفها وتنظيمها، وإيجاد المدارس لها لتعليم الأجيال وتخريج العلماء والمرشدين ونشرهم في المجتمع.

وتجربة مجلس حكماء المسلمين الذي يترأسه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وإن كانت في بدايتها ولكنها تعتبر خطوة مهمة على طريق نشر خطاب الإعتدال والوسطية في الأمة ونبذ التطرّف والفرقة بين المذاهب والطوائف وتعزيز ثقافة السلم والعيش المشترك بين المجتمعات والشعوب.
 

  • يعاني لبنان اليوم من شلل مؤسساتي وانسداد سياسي،  ما هو دور حزب الله في هذه الأزمة وأثر سلاحه غير الشرعي؟ 

إن ما يعيشه لبنان من شلل وتعطيل في المؤسسات يرجع إلى ضعف الدولة اللبنانية وعجزها عن تطبيق القانون والدستور، وقد تجلّى هذا الضعف في محطات عديدة، منها الفراغ الحاصل في رئاسة الجمهورية وعدم قدرتها على محاسبة النواب الممتنعين عن واجبهم الدستوري بانتخاب رئيس للجمهورية، وما يحميهم هو انتماؤهم إلى حزب الله أو التحالف معه باعتبار أنه الطرف الأقوى، وهو الذي أسقط الدولة مع حلفائه عند اجتياح بيروت في 7 أيار 2008، ومنذ ذلك الحين هو يمسك بمفاصل الدولة ويتخذ القرارات المخالفة لها، كاتخاذه قرار المشاركة في القتال على الأراضي السورية خلافاً لما أعلنته الحكومات اللبنانية المتعاقبة من الوقوف على الحياد.

 

  • هل نعتبر العلاقة بين إيران وحزب الله علاقة تحالف ام تبعية ام اتصال عضوي؟

لا يخفي حزب الله علاقته بالنظام في إيران وأنه يتبع في عمله لولاية الفقيه ويعتبرها أساساً يقوم عليها تنظيمه.

 

  • بناء على إجابتكم،  ماذا تريد إيران من العالم العربي،  ما هدف تحركاتها وإرهابها في لبنان وفي سوريا واليمن والعراق وغيرهم؟ وهل ستنجح؟

إن روابط التاريخ والدين والجوار التي تجمع بين إيران والعالم العربي تتطلب وجود أفضل العلاقات بين إيران العالم العربي يحكمها الإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونحن لا نرى أن السياسة التي تعتمدها إيران في المنطقة تخدم المصالح المشتركة بينها وبين الدول العربية، ولذلك فإن المطلوب أن تعيد إيران النظر في سياستها التي كانت من أسباب التباعد والخلاف الذي انعكس على شعوب المنطقة في احتقانات طائفية ومذهبية مما أفسح المجال لتوظيف الخلافات المذهبية في الصراعات السياسية، ويجب أن تقوم هذه العلاقات من خلال الدول والقوانين وليس من خلال أحزاب وجماعات ترتبط بالسياسة الإيرانية، ولذلك نحن ندعو إلى قيام حوار جاد بينها وبين الدول العربية خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي.

 

  • هل الشيعة العرب يتبعون ايران سياسيا ام دينيا ولماذا؟

 الشيعة العرب ولاؤهم لأوطانهم وهم متمسكون بها وليسوا وافدين عليها،  وهم جزء لا يتجزأ من شعوبهم ولديهم نفس التطلعات، ولكن هناك بعض التجمعات الحزبية التي نشأت اخيرا تحاول ربط الشيعة بالمشاريع السياسية خارج اوطانهم،  وهو خطأ كبير لا يتحمل وزره وتبعاته كل الشيعة العرب في أوطانهم،  ولا يمكن لاي حزب ان يختزل طائفة عريقة وعريضة ويجعلها ذات رأي موحد،  وعموما ابناء الطائفة الشيعية مرتبطون بأوطانهم ودولهم وشعوبهم وهذا ما يجب ان يكون عليه الامر،  ولذلك نحن نرفض ان يكون هناك ارتباط خارج حدود الوطن بأي مشروع سياسي.

ونرى أن روابط المذاهب والاديان موجودة بين كل الشعوب ولكن يجب الا تكون على حساب الاوطان،  فأوطاننا يجب ان نرتبط بها ونحافظ عليها،  والانظمة السياسية التي اخترناها مع شركائنا في الوطن بها يجب ان يكون ولاؤنا وطاعتنا لها وليس لأنظمة اخرى سواء ايران او غيرها.

ويجب ان ينتبه الشيعة الى هذه الأحزاب وتلك الجماعات وأن لا ينخرطوا بها لان لها مشاريع سياسية خارج حدود الوطن.

  • هل يتقدم ولاء الشيعي العربي لإيران على وطنه،  ولك نظرية تقول بأن الولاء الديني يجب ان لا يتقدم على الولاء الوطني،  ما مدى تقديرك لواقعيتها؟

قد يكون تقديم الولاء لإيران على الولاء للوطن موجوداً عند أفراد تابعين لأحزاب مرتبطة بإيران، ولكن التعميم على الشيعة العرب غير صحيح، لأن الأحزاب-كما قلنا قبل قليل- لا تختزل بها الطوائف والمذاهب والقوميات، فحزب الإخوان المسلمين من أكبر الأحزاب في مصر، ولكنه لم يختزل الشعب المصري ولا المذهب السنّي.

  • نظرية ولاية الفقيه رفضتها وأعلنت مقابلها نظرية الولاء للدولة،  ما الفرق بين النظريتين عمليا وهل يمكن أن يستمع حلفاء إيران إليك؟

إن نظرية ولاية الفقيه المعمول بها في إيران تعني الحكم المطلق للفقيه الفرد، فهو يمتلك كل الصلاحيات في دولته، وأما نظرية ولاية الدولة فهي لا تعني ولاية الفرد،  وإنما تعني ولاية الدولة كمؤسسة قانونية ولدت من حاجة الشعب إليها وموافقته على مرجعيتها في نظم أمور البلاد والعباد.

 

  • خصوم إيران من الشيعة العرب،  ما هو تأثيرهم في مجتمعاتهم،  وهل وقفت بجواركم الدول العربية كما يجب،  و ما المطلوب لتحرير العرب عموما وشيعتهم خصوصا من السرطان الإيراني؟

المؤيدون للسياسة الإيرانية من الشيعة العرب يلقون كل الدعم والتأييد من إيران في دولهم وأوطانهم لتثبيت حضورهم وتظهير أصواتهم، وأما المعارضون  للرؤية الإيرانية فهم يلقون منها الإبعاد والإقصاء والعمل المتواصل منها لتهميشهم وتشويه سمعتهم في مجتمعاتهم،  مضافاً إلى عدم الإحتضان لهم من دولهم. 

 

  • هل ترى رابطا بين مشروع التوسع الإيراني والمشروع الصهيوني وكلاهما يزعم انه نقيض الآخر؟

لا نرى رابطاً بين المشروعين، فإسرائيل دولة مغتصبة لفسلطين ومعتدية،  وعلى إيران والعرب أن يكونوا صفّاً واحداً في مواجهتها، وهذا يتطلب من إيران والعرب أن يجلسوا على طاولة واحدة للبحث عن أسباب الإختلاف والعمل على إزالتها.

 

  • لديكم نظرية ترفع الإسلام فوق الحالة المذهبية "الإسلام والشيعة أمة واحدة: إسلام واحد واجتهادات متنوعة"،  وما هو ملخص هذه الفكرة ومدى حاجتنا إليها وأملها بالحياة في زمن احتقان طائفي؟

إدراكاً منا لخطورة الخلافات المذهبية واستغلاله في إضعاف الأمة كان كتاب (السنّة والشيعة أمة واحدة) الذي صدر قبل سنوات لتوعية شباب الأمة بأن المذاهب ليست سوى مدارس فقهية متعددة يجمعها الدين الواحد الذي يجعل منهم أمة واحدة قبل ظهور المذاهب وبعدها، وهذا ما يمكن أن يتحقق اليوم كما كان بالأمس إذا أبعدنا الصراعات السياسية عن استغلال المذاهب في مشاريع السلطة والنفوذ،

وقد عاش السنة و الشيعة إخوانا في مجتمعاتهم وأوطانهم قروناً عديدة وسيبقون كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،  وكانوا يختلفون في قضايا تاريخية ودينية تبعاً لاختلاف الإجتهادات ولم يؤثر ذلك على حياتهم الطبيعية لأنه لم يكن هناك صراع على السلطة و الحكم وكانت تجمعهم القضايا المركزيّة في الدّفاع عن الوطن الإسلامي وحماية ثغوره وقضاياهم الحياتيّة المشتركة.

صحيفة الرؤية الإماراتية
حوار : أحمد عدنان