عندما زار رئيس وزراء النظام السوري طهران أخيراً أمكن سوريين موالين التقوا مسؤولين إيرانيين، ثم جلسوا مع مرافقين في وفد وائل الحلقي، أن يتعرفوا إلى وضع متشنّج وغير ودي بين الجانبين، إذ إن كلاً منهما تحدث عن الآخر بشيء من المرارة والتطيّر، وكأنهما يكتشف بعضهما بعضاً بخيبة أمل. فدمشق ترى أن تعامل الإيرانيين معها تغيّر في الشهور الأخيرة، تحديداً منذ سقوط الموصل في أيدي تنظيم «داعش» وحلفائه، بالتزامن مع نشوء التحالف الدولي ضد الإرهاب وشيوع مناخ إيجابي مستجدّ سواء في المفاوضات النووية أو في التقارب الأميركي - الايراني، وكان الدعم بدأ يتقنن، بل سجّل أكبر تراجعاته فيما كان النظام يتعرّض لهزائم في مقابل «داعش»، كما تفاقمت أزمته المالية وحاجته إلى الوقود. ولا يبدو أن موفدي المرشد الإيراني، وآخرهم علي لاريجاني، استطاعوا أن يحملوا إلى النظام ما يلبي توقعاته.

 

 

ومن الواضح أن طهران دخلت في حسابات مختلفة بعد الحدث العراقي، لكن حضورها الطاغي داخل نظام بغداد وميليشياتها مكنتها من الاستفادة من ظروف الحرب على «داعش» ومتابعة توجيه الحكم، مع بعض التعديلات. ثم إن الحدث اليمني منحها فرصة هائلة في سلم أولوياتها الإقليمية. أما في سورية فوجد الإيرانيون أن كل ما بذلوه، منذ منتصف عام 2012، حقق هدفه بالحفاظ على بشار الأسد ومنع سقوط النظام، لكنهم استنتجوا أن كل «الانتصارات» لم تغيّر مسار الأزمة وأن حلفاءهم فقدوا أي نوع من المبادرة. أكثر من ذلك، لم يحبذ الإيرانيون رد فعل النظام على الغارات الأميركية، ولا الإشارات التي يرسلها إلى دول إقليمية بغية فتح قنوات جانبية، ولا الاتصالات الخارجية التي نشّطتها أخيراً أجنحة أو وفود من عائلة الأسد. وعلى رغم أن «المبادرة» الروسية منسّقة أولاً مع الإيرانيين، إلا أن هؤلاء لم يبدوا أي حماسة حيالها وكل ما فعلوه أنهم حرّكوا عدداً من معارضي الداخل لاختراق المسعى الروسي، ما ضاعف قلق النظام، وأطلق في صفوفه ما هو أكثر من التكهّنات، بل أثار مجدداً تجاذبات في شأن لوائح مَن يفترض أن يغادروا في حال تبلورت صفقة دولية لحل سياسي.

 

 

واقعياً، ليس لطهران أن تفاجأ بالحال التي بلغها النظام، لأن كل حقائقه عندها، وقد غذّت كل نزعاته التخريبية واستغلّتها، كانت هي التي دافعت بقوة عن خطط تغيير موازين لإسقاط المعارضة السورية من المعادلة بل دفعت بميليشياتها متعددة الجنسية لتنفيذها. وإذا كانت عقلية النظام لا تردعه عن أي شيء، فكيف استقام في عقل الإيرانيين أنه يستطيع أن يبقى ويسيطر ويحكم بعدما أوغل - بمساعدتهم - في القتل والتدمير، وأي «مصالح» يطمحون إلى الحفاظ عليها في سورية الغد، حتى لو تمكّنوا - مع روسيا - من تأمين «استمرار النظام من دون الأسد»، وحتى لو واصلوا شراء آلاف العقارات بأسعار الأزمة في مناطق لا مراقد أو مقامات مقدّسة فيها.

 

 

وواقعياً أيضاً، ليس لدمشق أن تبتئس من تبدّل المعاملة الإيرانية، فكل استثمار له عمر افتراضيٌ لا بدّ من أن ينتهي، ثم إن طول الأزمة ما كان ليبقى لمصلحتها حتى لو لم ينقلب لمصلحة المعارضة. فالنظام، الذي سلّم مقاليده إلى الإيرانيين حتى صار تحت رحمتهم، ليس معذوراً إذا جهل، أو تجاهل، أنه في الأساس حلقةٌ في أجندة طهران. وعلى افتراض أنها كانت صادقة كل الصدق في استراتيجية نهج المقاومة ضد إسرائيل، وقد بذلت فيه الكثير، فكيف لها أن تواصله وسورية - النظام لم تعد صالحة لإقامة توازن استراتيجي مع إسرائيل، بل أصبحت عبئاً سياسياً ومالياً واقتصادياً على إيران التي قادت النظام إلى تبديد مقوّمات سورية والانزلاق بها إلى هذا الضعف والانهيار.

 

 

عندما وقعت الواقعة وتعرّضت استراتيجية النفوذ الإيراني لهزّة في العراق، لم تخفِ طهران حقيقة تفكيرها: العراق أولاً، ثم سورية. وكان محمد محمدي كلبايكاني، رئيس مكتب الولي الفقيه، واضحاً في قوله: «لو لم يكن دعمنا لسورية لكنّا اليوم خسرنا العراق»، وذُكر أنه كان يردّ بذلك على «معارضة» بعض الشخصيات الدعم الذي تقدّمه إيران للنظام السوري. وهذه المرّة الأولى التي يشار فيها إلى «معارضين»، ولا تفسير لذلك سوى أنه لم يعد في الإمكان إخفاء جدل داخلي متصاعد مفاده أن نظام الأسد صار عبئاً على إيران ولم تعد هناك جدوى تُرتجى من دعمه.

 

 

لعل هذا الجدل هو ما شجّع شيرين عبادي (على هامش قمة روما لحائزي نوبل للسلام) على إبداء الاعتذار «نيابة عن الشعب الإيراني، عما قامت به حكومة بلادي في سورية، بدعمها الأسد الذي يقتل مواطنيه». لن يسمع السوريون اعتذاراً كهذا من أي مسؤول إيراني، لكن حجة كتلك التي ساقها كلبايكاني باتت تتكرر بصيغ مختلفة، بالغة الوقاحة، سواء بالإشارة إلى السيطرة على «العواصم (العربية) الأربع» (علي رضا زاكاني)، أو إلى امتداد النفوذ الإيراني «حتى البحر المتوسط» (يحيى رحيم صفوي). وكلّها موجهة إلى الداخل أولاً، من قبيل الطمأنة إلى أن كلفة النفوذ لا تذهب هباءً، أما وقعها في الخارج فيشحن الاحتقان المذهبي والسياسي والعربي - الفارسي في الدول التي يقولون أنها باتت عملياً تحت احتلالهم، كما يناقض كل النيات التي أعلنها الرئيس حسن روحاني وفريقه للتصالح مع دول الجوار الخليجي، لا سيما السعودية.

 

 

يشارك مندوبون عن النظام الإيراني في معظم المؤتمرات الغربية المغلقة عن الأزمة السورية، وبما أنها مغلقة فإنهم صاروا يتحدثون أخيراً بصراحة لم تكن متوافرة لديهم في مراحل سابقة، وفي الشهور الأخيرة باتت توحي بأن إيران منفتحة على أي صيغ تتعلّق بمستقبل الأسد. وقد ظهر ذلك في الاتصالات مع فرنسا على مستوى ديبلوماسي رفيع. صحيح أن الإيرانيين كانوا يطيّرون بالونات اختبار سياسية لا يأخذها أحد على محمل الجد، لكنهم مدركون أن تغيّر الظروف (الحرب على «داعش») وانسداد آفاق الأزمة قد يستدعيان في أي وقت البحث عن حل يشاركون فيه، لكن ليس أي حل. فهم وحدهم يملكون الورقة (مصير الأسد) التي يبحث عنها الأميركيون وحتى الروس، ووحدهم يتمتعون بإمكان التصرف بها، لكنهم لن يبيعوها رخيصة.

 

 

وتحسباً لكل الاحتمالات حرص الإيرانيون على إعلان تأسيسهم «حزب الله السوري» لاستخدامه، خصوصاً في تعطيل أسس أي حل سياسي لا يحقق مصالحهم ويضمنها، فمستقبل نفوذهم في «سورية موحّدة» لم يعد مضموناً. ذاك أن مختلف السيناريوات التي يمكن تصوّرها لحل الأزمة، إذا استندت إلى بيان «جنيف - 1»، لا بدّ من أن تغيّر قواعد اللعبة الداخلية. وأي حكم سواء كان خليطاً «من بقايا النظام وبقايا المعارضة»، أو تركيبة توافقية قائمة على محاصصة طائفية، سيكون عليه أن يواجه واقعاً بالغ الصعوبة: بلاد مدمّرة، دولة مفلسة، شعب منكوب، ومجتمع ممزّق... هذا الواقع الذي كانت للإيرانيين، مع النظام، المساهمة الأسوأ في تخريبه، لكن الدمار الكبير لم يستطع ولن يستطيع تغيير حقائق البلد ولا سحق إرادة الشعب ولا تقويض مقوّمات مستقبله... لم يقترب أي حل بعد، لكن السؤال، بمعزل عنه، كيف أمكن نظاماً كهذا أن يعتقد أن رهن سورية لدى الإيرانيين سيمكّنه من البقاء؟