تعيش "هيئة علماء المسلمين" في هذه الايام حالة من الانحسار والتراجع على صعيد دورها السياسي والشعبي في ظل الخلافات الدائرة داخل صفوفها، ونظراً للتطورات والتحديات التي واجهتها خلال الاشهر الاخيرة، ولاسيما تطورات بلدة عرسال وأحداث طرابلس وانتخابات دار الفتوى، وإصابة نائب رئيسها الشيخ سالم الرافعي خلال دخوله لعرسال واضطراره لمغادرة طرابلس الى تركيا والابتعاد عن الاضواء حالياً.

 

وتكشف مصادر مطلعة داخل "الهيئة" ان الخلافات بدأت منذ انتخاب الشيخ مالك جديدة رئيساً لها قبل أشهر عدة، والترحيب الذي لاقاه هذا الانتخاب، خصوصاً من "حزب الله" و"تجمع العلماء المسلمين" وبعض قوى "8 آذار"، ومن ثم مشاركة الشيخ جديدة في إحياء ذكرى اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وقيام وفد من "ملتقى الاديان والثقافات" بزيارة لمقر "الهيئة" ودعوتها للتعاون الثنائي. وقد أثار كل ذلك موجة من القلق والريبة لدى بعض قيادات الهيئة، خصوصاً المتشددة منها، مما دفع الهيئة الادارية لاصدار بيان تحدد فيه ثوابتها ومواقفها من التطورات. وقد ادى ذلك لتراجع دور الشيخ جديدة لحساب عودة نشاط الشيخ سالم الرافعي وقيادات اخرى في "الهيئة".

 

وقد حاولت الهيئة الاستفادة من التطورات في العراق وسيطرة تنظيم "داعش" وحلفائه على الموصل ومناطق اخرى في العراق وسوريا وأطلقت ما أسمته: "الحراك السني في لبنان من اجل استعادة حقوق اهل السنة". ولكن هذا التحرك باء بالفشل ولم يحقق أية نتيجة وان كان ساهم بشكل او بآخر في اعادة تعزيز اجواء التشنج والتطرف في العديد من المناطق، ولا سيما في طرابلس وصيدا وعكار وبعض مناطق البقاع.

 

وجاءت احداث عرسال لتسلط الضوء مجدداً على دور "الهيئة" ونشاطاتها واعادة تعزيز دور الشيخ سالم الرافعي ومشايخ آخرين على حساب دور الشيخ مالك جديدة، وعمدت "الهيئة" للضغط على قيادة الجيش اللبناني لوقف حصار عرسال وتسهيل مغادرة المسلحين الذين احتلوا عرسال وخطفوا الجنود والعسكريين اللبنانيين. وكان يفترض أن تؤدي جهود "الهيئة" لانسحاب المسلحين واطلاق الجنود المخطوفين، وقد تحقق مطلب وقف القتال ووقف حصار عرسال ولكن بالمقابل لم يتم اطلاق سراح الجنود المخطوفين، مما ادى لتوقف دور "الهيئة" في التفاوض وإثارة الكثير من علامات الاستفهام حول دورها ومواقفها. ورغم عقد لقاءات عديدة بين وفود من "الهيئة" ووزير الداخلية نهاد المشنوق وقيادات عسكرية وأمنية لترطيب الاجواء، إلا أن الامور سارت في الاتجاه المعاكس واضطر نائب رئيسها الشيخ الرافعي لمغادرة لبنان بعد إصابته خلال وجوده في عرسال.

 

إضافة إلى كل تلك الوقائع، جاءت انتخابات دار الفتوى وقيام "الهيئة" بترشيح احد اعضائها الشيخ احمد الكردي في مواجهة الشيخ عبد اللطيف دريان، ونفذت "الهيئة" اعتصاماً وتحركاً علمائياً ضد صيغة الانتخابات وحرمان العديد من العلماء من الانتخاب، لكن نتيجة الانتخابات لم تكن لمصلحة "الهيئة" والقوى الداعمة لها، وخصوصاً "الجماعة الاسلامية"، فلم ينل مرشحها سوى أصوات قليلة ونجح الشيخ دريان بما يشبه الإجماع، وان كانت الهيئة قد فرضت حصول معركة في دار الفتوى. وأدى انتخاب الشيخ دريان مفتياً جديداً إلى إعادة تعزيز دور دار الفتوى على حساب دور "الهيئة" التي كانت قد استفادت من الازمة التي عاشتها دار الفتوى في السنوات الاخيرة.

 

ثم جاءت التطورات الاخيرة في جرود عرسال وطرابلس وسعي الهيئة لإطلاق تحرك شعبي جديد تحت عنوان "مواجهة عملية ذبح عرسال ودعم اللاجئين السوريين". لكن التجاوب مع التحرك كان ضعيفاً واقتصر على بعض التحركات الشعبية وأحداث أمنية في طرابلس وعكار، وتولي شادي المولوي قيادة مجموعة مسلحة ضد الجيش اللبناني، والمعروف ان المولوي كانت تربطه علاقات جيدة مع العديد من مشايخ "الهيئة" الذين تولى بعضهم حملة الدفاع عنه والسعي لإطلاق سراحه عندما اعتقل سابقاً.

 

تعيش "الهيئة" اليوم في حالة تراجع على صعيد دورها الشعبي، خصوصاً مع عودة اجواء التطرف وانتشار شعارات "داعش" و"جبهة النصرة" في بعض المناطق، اضافة الى سعي "الجماعة الاسلامية" لإعادة تنشيط دورها السياسي، إضافة لتفعيل دور دار الفتوى والخلافات بين تيار "المستقبل" وبعض النواب والقيادات الاسلامية التي تتعاطف مع "الهيئة" كالنائب خالد ضاهر.

 

كما ان هناك سؤالاً كبيراً يطرح اليوم: اين موقف الهيئة مما يجري من حملات ضد الجيش اللبناني والاجهزة الامنية وحالات الفرار من الجيش؟ وهل هي قادرة على مواجهة حالة التطرف المتزايدة مؤخراً؟ وكيف ستستعيد الهيئة تماسكها الداخلي في ظل الخلافات التي تسود اجواءها واضطرار نائب رئيسها الشيخ سالم الرافعي لمغادرة لبنان من دون معرفة ما اذا كان السبب العلاج الطبي ام اسباب اخرى ومتى سيعود ثانية؟ واي دور يمكن ان يقوم به رئيسها الشيخ مالك جديدة لتفعيل نشاط الهيئة والتواصل مع كل الاطراف؟