منذ سنواتٍ طويلة، تتعاطى القيادات السياسية مع مختلف القضايا الطارئة بطريقةٍ "صبيانية"، تنمّ عن "ولدنةٍ" في فهمها وإدارتها، وإنعدامٍ في الحسّ الوطني، الذي من المفترض أن تنطلق منه في مواقفها، لا سيما أنّ بعض الأحداث لا يجب أن يتمّ التعاطي معها وفق منطق "الربح" و"الخسارة" على الصعيد الشعبي.
ما حصل ويحصل، في ملف العسكريين المخطوفين، لدى الجماعات الإرهابية في جرود عرسال، لا يؤشر إلى أنّ هذه القيادات لديها المقدرة على الخروج من "الزواريب" الضيّقة، في معالجتها لقضايا على مستوى عالٍ من الأهمية، لا بل أنّ هذه الجماعات أظهرت أن لديها الكفاءة في إدارة الملف أكثر من الدولة اللبنانية.
في هذا السياق، قد يكون من الضروري التطرق إلى حادثة إحراق علم تنظيم "داعش" على يد بعض الشبان في منطقة الاشرفية منذ يومين، الذي تحوّل إلى الحدث الأهمّ على الصعيد الوطني، بدل أن يكون الإهتمام منصبّاً على البحث عن أي وسيلة تفضي إلى الإفراج عن المخطوفين.
بداية، من الضروري الإشارة إلى أنّ هذا الحادث وقع قبل أيام من لحظة الكشف عنه، إلا أنّ بيان وزير العدل أشرف ريفي هو الذي حوّله إلى حديث الساعة، في الوقت الذي كانت فيه الجماعات الإرهابية تهدّد بقتل عددٍ من العسكريين، وكان من الممكن عدم إثارة هذه القضية على هذا الشكل من خلال أخذ الوزير إجراءاته، في حال كانت ضرورية، من دون الإعلان عنها، متفاديًا بذلك ردة فعل كتلك التي حصلت في مدينة طرابلس، لكن الرغبة في إستغلال هذا الأمر كانت سبباً أساسياً في الإعلان عنها.
سوء التصرف لم يقف عند هذا الحد، بل تعدّاه الى طريقة التعاطي مع هذه القضية بعد ذلك، فأحد نواب كتلة "المستقبل" البارزين إستغرب صدور قرار عن مسؤول لبناني يجرّم فيه حرق علم "داعش"، لكنه عندما تبلغ أن القرار صادر عن وزير "مستقبلي" تمنى عدم الكشف عن موقفه، ورأى أنّ من غير الضروري التعليق على الموضوع، الذي كان ينتشر في الأوساط الشعبية بشكل كبير، وبعد ذلك صدرت له مواقف تتناغم مع موقف وزير العدل.

على صعيد متصل، لم يكن وضع بعض نواب قوى الرابع عشر من آذار المسيحيين أفضل حالاً، بعضهم رأى أن أنصار "التيار الوطني الحر" هم من يقف خلف الحادث "المستنكر"، في تكرار لموقف الجماعات الإرهابية، في حين فضّل البعض الآخر المزايدة على قيادات ونواب "التيار الوطني الحر" في هذا المجال، خصوصاً بعد أن تحولت إلى قضية "مسيحية" بإمتياز، مع تأكيدهم بأن التيار يسعى إلى إستغلال الموضوع بغرض الكسب الشعبي.
في الجانب الآخر، كانت "الصدمة" تسيطر على نواب قوى الثامن من آذار، الذين لم تصلهم بعد أي "تعليمة" حول كيفية التعاطي مع هذه القضية المستجدة، وما إذا كان عليهم أن يدينوا إحراق العلم أم تصرف وزير العدل، وكانوا يفضّلون تأجيل التعليق بعض الوقت من أجل مراقبة تطور الأمور، فالجميع يرغب بالتصرف على أساس التماهي في الشارع الذي كان مشتعلاً، وكانت مواقع التواصل الإجتماعي تعكس صراعاً فعلياً يهدد بأخذ البلاد إلى فتنة طائفية ومذهبية، بعد أن كانت تسيطر عليه روح التضامن مع المؤسسة العسكرية.
وخلال وقتٍ قصير، تبيّن أنّ الجماعات الإرهابية قادرة على اللعب على هذه التناقضات بشكلٍ لافتٍ، وكأنها خبيرة منذ سنواتٍ طويلة في "زواريب" الصراع السياسي اللبناني، وبدأت بإدارة الملف بشكل آخر، يسمح لها بإستغلاله إلى أبعد حدود، فتحولت القضية الأساسية إلى قضايا متفرعة: "المطلوب من المسيحيين هذا الأمر ومن الشيعة ذلك، أما السنة فمن المفيد تحييدهم عن هذا الصراع كي لا ينقلب الشارع ضدهم".
ما لا يعرفه اللبنانيون ربما، أنّ هذه الجماعات لا تتعاطى معهم على أساس التصنيفات التي يتعاملون بها، فهي في مناطق الصراع الذي تعيش فيه في العراق وسوريا لا تتصرف على هذا النحو، لكنها هي أو من يُشغلها تنفذ الخطة المرسومة بشكل جيد، وربما كان من الأفضل لو إتخذت الحكومة قراراً، منذ البداية، بعدم تناول هذا الملف بشكل علني، والإكتفاء بالتواصل مع أهالي العسكريين عبر قنواتٍ محدّدة، من أجل إطلاعهم على المستجدات، بدل أن يتحوّلوا إلى مادة تجاذب تستغلها الجماعات الإرهابية في عملية الضغط على السلطات المعنية من أجل إجبارها على تنفيذ مطالبها.
وهنا، من الضروري السؤال عن الأسباب التي تحول دون تعيين مسؤولٍ يتولى التواصل مع الأهالي، بدل أن يتولى كلٌ منهم البحث عن وسيلة خاصة يحصل منها على المعلومات، وبعضهم يقوم بذلك عبر الإتصال بالجهات الخاطفة أو المفاوضين من الشيخ مصطفى الحجيري وأعضاء هيئة العلماء المسلمين، وهناك معلومات عن توجيه هؤلاء لتحركات الأهالي، لا سيما أنّ بعضهم يشجع مطالب الجماعات الإرهابية بالإفراج عن بعض الموقوفين الإسلاميين.
في المحصّلة، لم تُظهر الحكومة حتى الساعة، حرفيّة مطلوبة في إدارة هذا الملف، وهي تبدو متخبطة في أكثر من خيار، نتائج كلّ منها كارثية على الواقع الداخلي، وربما من المفيد أن يكون هناك من يقوم بمراجعة نقدية من أجل التعلم من الأخطاء.