تحتفل جمهورية أوكرانيا هذا العام بالذكرى الاستقلال 22 التي استقلت حينها عن الاتحاد السوفياتي بعد الانهيار التي حل بالإمبراطورية السوفياتية. بالرغم من محاولة قادة أوكرانيا العمل على الاستقلال السياسي بإعلان أوكرانيا دولة مستقلة لكن الشعب الأوكراني لم يكن جاهزا للاستقلال في وقتها ولم يكن المناخ كافيا للاستقلال ،لذلك تهاني الإستراتيجية الأوكرانية من غياب رؤية سياسية واقتصادية واضحة في سبيل تدعيم استقلالها، لهذا تعاني من أزمة حقيقية في مواقفها السياسية المتارحجة ما بين الذهاب نحو الغرب والبقاء في الفلك الروسي.فالاستقلال السياسي بالمعنى الحقيقي الذي ينطوي على تمتع الدولة بالسيادة،ي ما لها من سلطان تواجه به الأفراد داخل إقليمها وتواجه به الدول الأخرى في الخارج،الاستقلال هو حرّية الشخص الطبيعي أو الاعتيادي من تدخّل الغير في شؤونه الخاصّة أو إشرافه أو نفوذه المباشر أو غير المباشر.

-الاستقلال  يعني غياب التبعية:

أ- وضع جماعة غير تابعة لجماعة أجنبية، عدم الخلط مع مجرّد الاستقلالية.

ب- فيما يتعلّق بدولةٍ ما تستعمل الكلمة كمرادف لسيادة، حق الدولة في أن تمارس بنفسها مجموع صلاحياتها الداخلية والخارجية بدون تبعية لدولة أخرى أو لسلطة دُولية مع وجوب مراعاة القانون الدُولي واحترام التزاماتها الاتفاقية».

في العالم يوجد  بعض الدول التي تعتبر مستقلة بالمعنى السياسي والاقتصادي والتي تفرض شروطها على البقية الباقية من خلال قوتها الاقتصادية والعسكرية أو الدبلوماسية أو كلهم معا ، فإذا نظرنا للدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة  أل 195دولة المستقلة لوجدنا الكثير منها هي تابعة لدول أو أحلاف وتنفذ سياستها وتتلقى معوناتها مما يجعل استقلالها شكلي ،ويجوف ألاستقلال الحقيقي.

بدأ تاريخ أوكرانيا الحديث مع السلاف السلاف الشرقيين ومنذ القرن التاسع ، أصبحت أوكرانيا مركز القرون الوسطى للسلاف الشرقيين. امتلكت هذه الدولة، المعروفة باسم روس كييف، القوة والأرض، لكنها تفككت في القرن الثاني عشر،بعد حرب الشمال العظمى، قسمت أوكرانيا بين عدد من القوى الإقليمية، وبحلول القرن التاسع عشر، خضع الجزء الأكبر من أوكرانيا للإمبراطورة الروسية ، بينما ما تبقى كان تحت السيطرة 

النمساوية الهنغارية . بعد فترة من الفوضى والحروب المتواصلة ومحاولات عدة للاستقلال (1917-1921) بعد الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية ،  لقد برزت أوكرانيا في 30 كانون الأول 1922 كأحد مؤسسي الاتحاد السوفياتي. وبعدها تم توسيع جمهورية أوكرانيا الاشتراكية غربا وجنوبا وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت أوكرانيا عضوا في هيئة الأمم المتحدة كجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية  والى يوم الانقلاب العسكري على إمبراطورية غورباتشوف السوفياتية في 21 آب من العام 1991 والذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وإعلان الجمهوريات السوفياتية استقلالها عن روسيا لتشكل بدورها دولا مستقلة بحد ذاتها  والتي لعبت أوكرانيا بشخص رئيسها دورا مميزا في عملية الانهيار .

التاريخ الحديث :

 لكن منذ اليوم الأول للاستقلال في أوكرانيا كانت مصالح الحكام فوق مصالح الشعب التي فشلت معه كل التجارب في عملية الابتعاد عن روسيا أو البقاء في داخل الفك الروسي كما فعلت بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة "بيلاروسيا وارمينا وقرقيزيا وكازاخستان ،وطجكستان " الذين بقوا في الفلك الروسي وحسموا أمرهم من الجمهوريات التي حاولت تغير الاتجاه السياسي مما ساهم بنوع من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.عاشت أوكرانيا في ثورة البرتقال التي حاولت الابتعاد عن روسيا والتوجه نحو الغرب فكان الانقسام الكبير في الداخل الأوكراني مما ساهم بضرب الفكر البرتقالي والتوجه نحو الزرق الذين حاولوا تصحيح المسار ولم الشمل والتوجه نحو الروس لكن الروس كانوا يتعاملوا مع أوكرانيا وشعبها على قاعدة من ليس مهنا فهو ضدنا.روسيا لم تقدم إي عروض لأوكرانيا مغرية تجذب سياسيها وشعبها نحوها.

المشاكل مع روسيا :

لايزال أسعار الغاز كما أسعار السوق العالمي والتأشيرات لا تزال تفرض نفسها الحدود مغلقة أمام الشعب الذي يحاول التوجه لسوق العمل الروسي الأسواق مقفلة ،غياب الاستمرار الروسي وعدم فتح المصانع والتصنيع بالأموال الروسية،غياب دعم الثقافة والإعلام والأدب والمدارس والجامعات التي تساهم ببقاء اللغة الروسية لغة ثانية سائدة سلافي يجمع بينهم العديدة من النقاط المشتركة كالدين واللغة والتاريخ والعادات الاجتماعية والارتباط الروحي والديمغرافي، فالروس يتكلمون بلغة التعجرف والتكبر مع الأوكرانيين ويتكلمون من خلال دفتر شروط جاهز يجب التوقيع عليه وإلا يفرض حصار اقتصادي وسياسي، وأيضا تستخدم حرب الطاقة التي استخدمتها موسكو أكثر من مرة في عز أيام البرد الذي تصل درجة حرارته إلى 35 درجة مئوية ضد أوكرانيا وسياسيها مما يجبرون على توقيع اتفاقات مجحفة يدفعون ثمنها غاليا ،وهذا ما حدث ما رئيسة الوزراء السابقة التي تقبع في السجن بتهمة توقيعها على عقود غاز مع  روسيا مجحفة بحق أوكرانيا .

رهان أوكرانيا على روسيا :

لقد راهن الرئيس الأوكراني منذ حملته الانتخابية الأولى ووقفه مع حزبه حزب الإقليم ضد الحركة البرتقالية التي حاولت سلخ أوكرانيا عن محيطها وربطها بالغرب على روسيا في دعمها المطلق له ولحزبه مما يساعده على إقناع شعبه ومناصريه بالدخول في عملية تكامل اقتصادي مع روسيا .

استطاع  فيكتور يانكوفيتش الوصول إلى السلطة بالرغم من كونه رجل روسيا في أوكرانيا وضرب الحركة البرتقالية  لكنه لم يحظى بالدعم المطلوب الذي كان المفروض على موسكو دفعه للشعب الأوكراني كي يحس هذا الشعب بمدى الفرق وعمق الهوة بين روسيا الحليف والصديق والغرب الذي يحاول استخدام أوكرانيا في محاولة لجر روسيا إلى حرب وحصارها من خلال منافذها الطبيعية وحدائقها الخلفية التاريخية .

فأمام هذا التعاطي الروسي مع أوكراني  في ممارسة سياسة الأخ الأكبر والأوعى والأمين على مسارها السياسي والاقتصادي،تجد القادة السياسية بمن فيهم الرئيس الحالي يونكوفيتش لا يجد نفس إلا الابتعاد تدريجيا عن موسكو وسياستها الغير قابلة للتنفيذ والتفكير مجددا بالا بحار نحو الغرب، وهنا تقع أوكرانيا في ازدواجية سياسية تعكس نفسها على ارتباك سياستها والوقوع مجددا مابين مطرقة روسيا وسندان أوروبا ،لكن أوروبا لا تعرض على أوكرانيا عرضا كاملا متكاملا لضمها إلى الاتحاد الأوروبي بسبب غياب الإستراتيجية الأوروبية الواضحة نحو أوكرانيا فالعروض دوما تأتي فقط عند اشتداد الغلاف بين الغرب وروسيا كما هي سياسة روسيا بالضبط مع أوكرانيا .

أوكرانيا وموقعها الجغرافي :

أوكرانيا دولة أوروبية يبلغ عدد سكانها حوالي 60 مليون نسمة تملك ثروات طبيعية وعلمية وثقافية،لها موقع جغرافي طبيعي يؤهلها لان تلعب دور في دول حوض البحر الأسود وأوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفياتي  سابقا  ،لها قدرات علمية واقتصادية وعسكرية هائلة ورثتها عن الاتحاد السوفياتي.

تعد أوكرانيا الدولة الثانية في الاتحاد السوفياتي بعد روسيا من حيث العدة والعدد وفي دول أوروبا الشرقية ،تنتمي للعنصر السلافي وتعتنق المذهب الارتوذكسي.لكن مشكلة الغرب مع غرب أوكرانيا ذات الأغلبية الكاثوليكية الفقيرة  التي أخفقت مراهنات الغرب على ضمن أوكرانيا إليها وفرض حائط عازل على روسيا . فالجنوب والشرق الأوكراني هم من الارتوذكسي ذات التوجه الروسي بالإضافة إلى كل الثروات الطبيعية والصناعية هي متواجدة في هذه المناطق الذاهب نحو الانقسام والالتحاق بروسيا إضافة إلى منطقة جزيرة القرم ذات التواجد السكاني الروسي،وهذه الحالة دفعت بالغرب على التوقف وعدم تقسيم أوكرانيا وتحمل أعباء هذا التقسيم مما جعلها تقبل بالحالة الحالية .

فالروس أخفقوا في طرح إستراتجية إنقاذية لأوكرانيا وساستها وقعوا في أزمة أمام التصرف الروسي الفوقي .  

فروسيا تحاول إدخال أوكرانيا في منظمة الاتحاد الاقتصادي الذي تحاول روسيا إقامته في فلك دول الاتحاد السوفياتي السابق لكن أوكرانيا لا تزال مثريته في القبول أو الرفض  .

ضغوط روسيا المستمرة :

لكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أوكرانيا بمناسبة تاريخية ودينية لها مدلولتها على الشعوب السلافية والتي كانت  أواخر شهر تموز \يوليو\2013  ليشارك خلالها في مراسم الاحتفال بالذكرى 1025 لتعميد روسيا القديمة "روسيا و أوكرانيا وبيلاروسيا " عندما كانت الدولة تعرف بكييف روس ، حملة معها عرضا سياسيا لأوكرانيا من روسيا  أكثر منه اقتصاديا  وماليا ، والتي تناولتها  مفاوضات  بوتين يانكوفيتش في لقاءهما والتي تناولت مسألة  التعاون الثنائي بين البلدين في الجوانب التجارية والاقتصادية والثقافية والإنسانية ، كما تبادلوا الآراء بشأن التعاون المتكامل في أوراسيا. الاتحاد الاقتصادي، فالضغط لا يزال مستمرا من روسيا على أوكرانيا دون أي عروض جدية ."

لكن من حق أوكرانيا أن تقرر أين تكون في الغرب أو الشرق وان تمارس سياسة مستقلة وفقا لمصحة شعبها وليس وفقا للضغوط الغربية أو الروسية التي تحاول أن تفرض عليها دفتر شروطها ،لان أوكرانيا دولة مستقلة لها حساباتها الخاصة التي لا تمنعها ان تكون في الغرب والشرق في وقت واحد.

د.خالد ممدوح ألعزي

كاتب صحافي وباحث إعلامي مختص بالشؤون الروسية ودول الكومنولث.

Dr_izzi2007@hotmail.com