وجّه العلامة السيد هاني فحص عبر صحيفة "صدى البلد" دعوة الى تظاهرات سلام متعددة في المكان والزمان، وكل يوم اذا امكن، احتجاج صامت وبليغ وتظاهرات وطنية تجمع الجميع إن امكن، او تجمعهم وإن تفرقوا في اماكنهم، معتبرا اننا نشهد "فتنة سنية شيعية وسنية سنية وشيعية شيعية أنتجها وينتجها رجال دين أولا وسياسيون ومثقفون وتجار وأصدقاء وأعداء خارجيون ويتدبرون لها نصوصا دينية مناسبة"، مشددا على ان "اندماج الشيعة هو الذي يحميهم ويحمي تضحياتهم ومصالحهم ويحمي المقاومين والمقاومة وان تمايزهم يؤدي حتما الى تلاشيهم. وتطرق السيد فحص الى مشاركة حزب الله في القتال في سورية معلقا "ما من مرة كانت الوحدة الوطنية اللبنانية والوحدة الاسلامية في لبنان والوحدة الشيعية مهددة كما اصبحت مهددة اثناء وبعد معركة القصير".عن هذه التطورات وغيرها من احداث ترسم ملامح المستقبل الغامض للبنان والمنطقة كان لنا معه هذا الحديث.

 

هناك حديث متنامٍ عن فتنة سنية – شيعية ليس على مستوى لبنان فحسب انما على مستوى المنطقة، فهل دخلنا فعلا في نفق هذه الفتنة؟

الفتن كالسرطان لا يراها في عمقها الا الطبيب الذي قد يلاحظ ثم يجري اختباراته فيتأكد ويبدأ العلاج، أما المريض واهله المعنيون بحاله مباشرة والناس عموما فإنهم لا يلاحظون ذلك الا عندما يبدأ الالم الشديد، أي حين يكون السرطان "الفتنة" قد انتشر واستحكم واصبح بحاجة الى العلاج الإشعاعي او الكيميائي... وهذا من خبث السرطان الذي لا يعادله إلا خبث الطائفيين سرطان الدين، والطائفية سرطان الدنيا.

وعليه فإن الفتنة الطائفية دائما كانت موجودة، ولكن قوّتها كانت ولا تزال تتناسب حجماً ونوعاً مع نسبة وجود الدولة، فإذا ما توقفت الدولة عن انتاج المضادات الحيوية لسرطان الطائفية الحميد فإن الخبيث او الخبث الطائفي يتفاقم وتحل الطوائف محل الدولة والمجتمع، اي ينزل الانقسام السرطاني من السياسة الى المجتمع ومن العموميات الى تفاصيل الحياة ومن الذهن الى الدم ومن الخطاب الى السلاح، ومن البرلمان الى الجامع الذي يكفّ عن الجمع لأن الانقسام السرطاني الى طوائف يتحول قطعاً الى انقسام سرطاني داخل الطوائف... فيتقاتل كل شيء مع كل شيء كما هو توقعنا في لبنان الآن، الى ان تتشكل هيئة وطنية عاقلة وقوية ونظيفة وعلى وعي وعلم وعقل، لتخترع علاجا اشعاعيا او كيميائيا قبل ان ينتشر الخبيث، الذي من خبثه أنك تعالجه في مكان فيذهب الى مكان آخر، حتى اذا بلغ اقصاه أو بلغ الكبد حارس البدن والروح وأصبح العلاج منوماً ريثما يأتي ملك الموت.

بلى هناك فتنة سنية شيعية وهناك فتنة سنية سنية وشيعية شيعية أنتجها وينتجها رجال دين أولا وسياسيون ومثقفون وتجار وأصدقاء وأعداء خارجيون ويتدبرون لها نصوصا دينية مناسبة.

 

يُقال ان معركة القصير تأتي في اطار حماية الوحدة الوطنية وحماية لبنان كما عبّر اكثر من مسؤول في حزب الله، فما رأيكم بهذا الكلام، وهل كان لبنان في وضع أسوأ مما هو عليه اليوم لو لم تحصل هذه المعركة؟

ما من مرة كانت الوحدة الوطنية اللبنانية والوحدة الاسلامية في لبنان والوحدة الشيعية مهددة كما اصبحت مهددة اثناء وبعد معركة القصير، واحتمال ان يمتد ذلك الى صفوف حزب الله ليس بعيدا، والاحزاب القوية والغنية والصلبة، أكثر عرضة للانهيار والعنف الداخلي من غيرها، وان كان انهيارها يتأخر عادة بسبب المركزية والتعبئة العصبية والتخويف والترغيب بالدنيا والآخرة. ليس هناك حرز لأحد، ومن اراد ان يوحّد أسرته الصغيرة عليه ان يوحّد اسرته الكبيرة التي لا تتوحد الا اذا توحد الحي أو البلد أو الوطن والمواطن.

 

سمعنا الكثير من الانتقاد لحزب الله بسبب خوضه القتال في سورية، في حين جاء تبرير الحزب بأن دوره يقتصر على حماية ظهر المقاومة فكيف تقيمون هذا التبرير؟

في الشرع والقانون لا يكفي مبرر للقتل او مسوغ او مخفف للعقوبة عليه ان يكون لديك ظن قوي بأن مقتولك كان يريد قتلك، وهذا التبرير للقصير ينطلي على المتوترين طائفيا او المنشقين عن طوائفهم غير الشيعية لأسباب نعلمها وليس المال سببها الوحيد، وينطلي على الحزبيين. واما نحن فإننا نرى فيه خطراً على المقاومة، لقد انحرف المسار، تماما كما انحرف مسار المقاومة الفلسطينية عندما انخرطت في الشأن الداخلي اللبناني، وكان يمكن من اجل فلسطين، أن تسهم في سلامة لبنان من دون ان يطالبها أحد بعدم الانحياز للحركة الوطنية اللبنانية، ولكن ليس على حساب لبنان وفلسطين اللذين لا يحميان بالنفاق والدم الحرام او الشبهات، وكان يمكن لحزب الله ان يسهم في إنقاذ سورية وحليفه النظام ورئيسه حتى بأسلوب آخر وبمساعدة ايرانية كما كان بإمكان المقاومة الفلسطينية ان تتحول من اجل فلسطين الى قناة تفاهم لبناني، او على الاقل تقف على الحياد، فتكون عاملا مساعدا على الحوار والحل، واذا كانت الذريعة هي ان النظام السوري داعم للمقاومة فالشعب السوري داعم للمقاومة وحزب الله يقاتل اصدقاءه وداعميه الآن، يقاتل الثابت لصالح المتغيّر، يقاتل القاعدة لصالح الاستثناء، ولو فرضنا ان الذي يستخدم السلاح ضد شعبه هو المقاومة نفسها لا صديقها النظام السوري، فإن عنوان المقاومة لا يبرر ذلك لانه باطل بيِّن.

 

هناك من يقول ان الطائفة الشيعية تسير بكاملها وراء قيادة حزب الله في معركته في سورية، فهل يمكن القول ان خيار الطائفة خاطئ؟

ليس هناك طائفة موحدة، هناك تعدد في كل الطوائف، وكل مستويات الوحدة في الطوائف والاحزاب مهددة بالانقسام حتى العنف الداخلي. ولا مرة كان الشيعة موحدين حول حزب الله، لقد توحدوا حول المقاومة في لحظة عقلانية المقاومة، توحدوا حولها كما توحد اللبنانيون جميعا. ثم عن حزب الله انقسم وحصل عنف داخلي فيه واقتتال لأسباب أقل من القتال في سورية ... والقصير. إن الطمأنينة المفرطة الى وحدة الطائفة والحزب هي بداية الخطر على الجميع.

 

كيف تقرأ حادثة مقتل معارض شيعي امام السفارة الايرانية في بيروت، الا يؤشر ذلك الى ان الطائفة الشيعية ترفض ان يكون من بينها صاحب رأي مختلف عن حزب الله؟

أقرأها كأحد الاخطاء القاتلة واتمنى ان يغتنم حزب الله الفرصة لتصحيح كل شيء، لأن الخطر الكامن في الحادثة هو خطر عليه اولا، لأن كلما كان الخطر الذي يأتي من طرفك ضد الآخرين جارفاً، كان أشد خطرا عليك منهم. كما اتمنى ان لا نضع دم هذا الشهيد بالاستغلال الغبي، بل ان نحوله الى منعطف عاقل وقوي وعميق وواقعي في وعينا للمخاطر وردنا الحضاري الوطني الوحدوي عليها، وكلامي هنا وكلامي الذي مرّ في هذه المقابلة والذي يأتي يريد ان يقول: ان اندماج الشيعة هو الذي يحميهم ويحمي تضحياتهم ومصالحهم ويحمي المقاومين والمقاومة. وان تمايزهم يؤدي حتما الى تلاشيهم. لا يمكن لأي مكون وطني ان يندمج بالحد الذي يؤمن سلامته وسلامة شركائه في الوطن الا اذا ارتقت الشراكة الوطنية الى مشروع دولة، الدولة هي الحل ولو شكلا، لأننا مع القصير ومقتل السلمان تأكدنا ان الدولة ودّعتنا، فأصبح خوفنا على الشيعة يعادل خوف الآخرين منهم هذا من دون ان نكون مطمئنين الى عقل أي من الطوائف اللبنانية سواء تلك التي تخلط الدين بالسياسة على حساب الدين او تلك التي تخلطهما على حساب السياسة، لأنه مع الطائفية لا دين ولا سياسة... لانها لا دولة.

 

هل نحن امام رسم خرائط جديدة على مستوى المنطقة عنوانها الكيانات السياسية المذهبية؟

لا أدري نحن امام ماذا بالضبط ولا تكفي سايكس - بيكو لتفسير المستقبل الغامض، نحن امام كارثة، وقد نكون آجلا لا عاجلا امام نهوض جديدة لفكرة الدولة التعددية، دولة المواطنة تحت سقف الحق والقانون، والوحدة على مشروع لا عصب ولكن بالتدريج لان المرحلة الحالية تؤشر الى احتمال ان تصل التوترات اللاتاريخية، اي التي تعيق حركة التاريخ، بإعادة المثال الى الخلف لا الى الامام، الى حد عموم الانفجار وشموله، ما يعني انها قد تتآكل فتسقط، وان كانت سوف تأكلنا معها، فقد يبقى منها من يستأنف الحياة كما حدث في اليابان والمانيا والدول الشيوعية.

 

هل انتهت الوطنية اللبنانية وبات اللبنانيون يقدمون انتماءاتهم المذهبية والطائفية على انتمائهم الوطني؟

دائما كانت الهويات الفرعية كامنة، وكلما قصرت الدولة في إقامة نفسها على الجميع، اي على المكونات المتعددة في الهوية المركبة، كانت الهويات الفرعية جاهزة للبروز والطغيان. أهم أسباب ذلك الامن كمعناه الثقافي العميق، لا أمن ولا أمان الا في ظل الدولة، فإذا فقدت هذا الظل فلا بد ان تعود الى منزلك العائلي او العرفي او الطائفي او المذهبي، الا بعض الابطال الكبار الذين يقفون تحت الشمس الحارقة ليبنوا عمارة وطنية جامعة. نسأل الله ان يكون لدينا كثير من هؤلاء.

 

هل ترى ان هناك مقاومة لبنانية في الفكر والثقافة والسياسة حاضرة وفاعلة في الدفاع عن هذه الكيانية اللبنانية؟ واذا كانت موجودة اين هي ملامحها؟

نحتاج الى بلورة، نحتاج الى نص ومسلك ومشهد، الى كتلة تاريخية تبدع رؤية لتسوية تاريخية ينتظرها لبنان بفارغ الصبر ان لم يفرغ صبرنا نحن.

 

كيف تردّ على مقولة ان النظام في سورية هو مصدر طمأنينة وعنصر اساسي في حماية الاقليات في بلاد الشام؟

حزب البعث وكل حزب في بلادنا العربية، أقلوي، يمثل أقلية، ولا يصل الى السلطة، لأنه أقلوي، الا بالعسكر واحيانا يضيف الأشرار بعداً اقلوياً آخر الى احزابهم كإضافة البعد الأقلوي لأقلية السنة في العراق الى حزب صدام حسين، وإضافة البعد العلوي الى حزب آل الاسد. هذه صورة كانت معروفة والمشكلة الآن ان تدخل حزب الله جعل الظن أقرب الى اليقين والمشكلة انه اضاف اللون الشيعي الى الصورة وهذا أشدّ فتكا بمستقبل العلويين.

أما انا فلا اقول اقليات، أقول مكونات في هذا المتعدد الذي يلاحظ الاعداد والاحجام المادية والأرقام البشرية، لا يتجاهلها، بل يتجاوزها الى دولة الأفراد التي تحترم الطوائف، وما من جماعة في الدنيا تستطيع ان تحقق شروط أمانها بالغلبة ولا بالتحالفات على اساس الاعداد، لان كل جماعة هي شرط أمان للجماعات الاخرى، والانكى من هذا كله ان يكون هناك وهم اكثري لدى السنة، هذا غير صحيح لأن هناك تعددا بل هناك تناقض وتناحر، والاكثرية اذا غرّها عددها ومالها وسلطتها تصبح اقلية، اقليات متناحرة وعلى ما يسمى اقليات في حال صراع اطراف الاكثرية المغرورة ان لا تفرح لأن ذلك سينعكس عليها. والحل هو التنوير، هو الدولة التعددية الديمقراطية التي تمر بثقافتنا وتكويناتنا الاجتماعية والاثنية والدينية وتستوعبها لتتجاوزها.

 

هل يمكن ان يبدأ الحل في الحوار؟

كان الحوار الوطني والديني مشروع علاج لما مضى ووقاية مما هو آتٍ وقد حصل المحظور اي الفتنة فلا يجوز ان نحول الحوار الذي حولناه الى استعراض لعضلات المجاملة الى مرهم لدماملنا الممتلئة قبحا، فالحوار لم يعد علاجاً، العلاج ان تلتقي الطبقة السياسية على ترميم أسس الدولة المهدمة. الحوار هناك، والسنة والشيعة والمسيحيون ورجال الدين جاهزون للعودة الى دينهم اذا عاد السياسيون الى عقلهم، اي الى وطنهم اي الى دولتهم او دولتنا. وفي الختام اتمنى وارجو وألح على القيادات العظمى في المجتمع والدولة والاحزاب والطوائف ان تحفظ حقها وحقنا وسلامتها وسلامتنا بالكف او التخفيف من استشعار القوة لان ذلك قاتل في النهاية ومقتول حتما وان تتكرم بالتشاور مع اعضاء اللجان المركزية او الشورى ومع الكوادر والاصدقاء والحلفاء لا المستحلفين او الملتحقين، ومع خيار الناس في المجتمع وفي الطوائف مع اهل المعرفة والخبرة والنصح، وان تتحول قيادات الاحزاب الى منتج ومدير انتاج للرأي المختلف المتفق على خلاص لبنان والمقاومة. ان الشجاعة والقوة الحقيقية هي الشراكة وصاحب الرصيد الاكبر هو الاحوج الى المشاركة لأنه يربح أكثر أو يخسر أكثر ونربح معه ونخسر.

وفي ختام الختام ادعو الى تظاهرات سلام متعددة في المكان والزمان، وكل يوم اذا امكن، تظاهرات احتجاج صامت وبليغ وطنية تجمع الجميع ان امكن، او تجمعهم وإن تفرقوا في اماكنهم، ويكون لديها اماكن لمن لا تسمح لهم طوائفهم بالتظاهر في مستوطناتها الحزبية، وان تكون الوداعة والعزيمة على تجنب العنف عموما والعنف اللفظي خاصة هي الوسيلة المختارة لمواجهة العنف بحيث نتوارى من اوجه العصابيين حتى لا نورطهم في جريمة قتلنا او قمعنا.