لا ينقص اللبنانيين سوى وصول «موجة الجراد» التي تجتاح المنطقة، لتزيد من معاناتهم، في وقت عجزت الوساطات عن خوض «مغامرة الإنقاذ»، وقد بلغت الأزمات مستويات ليس من السهل مواجهة اي منها. وما زاد في الطين بلّة، انّ التحلّل الذي أصاب المؤسسات الحكومية والادارية بات يهدّد السلطة القضائية، ما يمنعها من إثبات قدرتها على إدارة نفسها وتحقيق استقلاليتها قبل ثبوت العكس. وعليه ما هو المُنتظر؟

كل التطورات توحي انّ «مرتا السلطة» ما زالت تطالب بأمور كثيرة وتتجاهل انّ المطلوب واحد. فالحديث عن اولوية وجود حكومة حيادية ومستقلة تعيد لبنان الى الخريطة الدولية ومحيطه الطبيعي وتتمتع بكل المواصفات الدستورية لم يرق لمرتا بعد، وهي تبحث في الدفاتر العتيقة والحديثة، عن ملفات تملأ فيها الوقت الضائع، فتطوي بعضها من دون ان تجد حلاً أو مخرجاً لأي منها.

 

آخر الملفات الموجعة فُتحت على خلفية النزاع الذي دخل القضاء بلا استئذان أحد من أركانه، ورغماً عن مختلف الممسكين بالقرار في مفاصل السلطة القضائية. فقد فرضت المواجهة السياسية استخدام كل المواقع، سواء اراد اصحابها ام لا. فكل النقاش الدائر في البلد أدخل القضاء في محنة لم يسبق ان عاشها حتى في أيام الحروب الداخلية والمحطات المأسوية الكبرى التي عاشتها البلاد، والتي تداخلت فيها «حروب الغرباء» بالإنابة عن كل العرب والغرب على أرض لبنان، الى «حروب الإخوة» وما بينهما «حروب الاصدقاء».


 
 

ولا تُنسى تلك الحروب التي شُنّت في عهود الوصاية، والتي لم توفّر منطقة من لبنان. حيث بقي هناك قضاء يراهن عليه البعض لتحصين موقع وحماية الحدّ الادنى من الحقوق. وان تدخّل في شؤونه احد، حرص على السرّية التامة مخافة ان يفتضح أمره. فدخلت البلاد عهد فتح «الملفات المقننة» باستنسابية «مغلفة»، استُخدمت فيها أجهزة مخابراتية تكاملت وأخرى اعلامية وسياسية، قادرة على اختراق مختلف المؤسسات والأحزاب والكيانات السياسية في البلاد، وترافقت مع وجود من بناها وأسّسها من مسؤولين «بدهاء» غير مسبوق، عبّروا عن قدرتهم على استخدام الآليات الإدارية والقانونية، توصلاً الى اصدار أحكام «غبّ الطب».

 

وان توقف مراقبون وخبراء قانونيون ودستوريون امام تلك المرحلة، لقراءة ما رافقها، في محاولة لإجراء مقارنة بين ما شهدته وبين ما يجري اليوم، يكتشفون انّ تلك المرحلة عبرت في ظروف استدعت كثيراً من الحنكة لفكفكة قطبها وفهم خفاياها، فنسبت إليها نظرية غلبة «حق القوة» على «قوة الحق» وبقيت ضمن الجدران الأربعة للمظلومين ومؤسساتهم، لا يتجرأون على البوح بها. وبعكس ما يجري اليوم، فقد سخّروا في تلك الفترة القوانين والأنظمة والدستور باتقان لا سابق له. أما اليوم، فلم يعد أحد في حاجة الى كل هذه الآليات، فقد وُضع القانون على الرف وجُمّد العمل بالدستور في محطات مختلفة، الى ان اصبح الالتزام به شواذاً وخرقه القاعدة، ولم يعد هناك من يستحي من تجاوزه، بعدما تحولت هذه الممارسات دليل «قوة وعظمة» أياً كانت النتائج المترتبة عليها.


 

لا يكفي الكلام هذا بهذه الصراحة، إن حضر في صالون سياسي او قضائي او قانوني كما الديبلوماسي. فالمعنيون لديهم المزيد منه واكثر، الى درجة لم يعد هناك من بدّ للجوء الى تدابير استثنائية تحاكي ظروفاً وممارسات استثنائية. وتحولت مظاهر الخروج على الأنظمة والقوانين مادة للجدل البيزنطي الذي لا يغني ولا يسمن ولا يُقنع صاحب عقل وضمير، لتتحول المساعي المبذولة بحثاً عن حلول من خارج المؤسسات والدستور والانظمة، سعياً الى لفلفتها وهو ما يصعّب المهمة.

 

ليس في ما سبق اعترافات لرجال قانون ووسطاء محليين، بل انّها لوسطاء اجانب ومراجع ديبلوماسية مختلفة، تعمّقت في استشاراتها القانونية والدستورية لفهم الأسباب التي دفعت الى القطيعة بين اهل «التسوية السياسية» ومن ابناء «البيت الواحد»، الذين اسّسوا للعهد الذي اقترب من ثلثه الاخير. فالمواجهة اليوم ليست بين أهل الحكم ومعارضة، وليست بين اقلية وأكثرية، فقد تفكّكت كتل نيابية وسقطت جبهات فرزت اللبنانيين سابقاً لأسباب باتت ملكاً لجميع اللبنانيين ولم يعد فيها اسرار كثيرة تثير الاستغراب.


 
 

وإن سعت هذه المراجع الى البحث عن اسبابها، تكتشف أنّ اساسها - وبعيداً من بعض المظاهر غير الطبيعية- انّها نتيجة الفشل في حماية ما بُني في العقود الثلاثة الاخيرة من اسس الدولة ومؤسساتها. ولذلك سقطت شعارات كبرى وتحولت مادة سخرية واستهزاء، وانهارت قطاعات اقتصادية ونقدية ومالية وإدارية وخدماتية كبرى، الى ان اقتربت من ان تمسّ حصوناً كبيرة كان يعتقد البعض انّها كانت وما زالت ضماناً لما تحقق من استقرار امني وسياسي بالحدّ الادنى المطلوب. وقبل ان تطاول الاجهزة الامنية والعسكرية رغم المحاولات الجادة لتصنيفها وفرزها بين مواقع القوى السياسية والحزبية والمذهبية، لا يمكن تجاهل انّها مسّت هيبة القضاء ووضعته تحت المجهر بطريقة غير مألوفة.

 

ولذلك، حذّرت هذه المراجع من المضي بكثير مما يخطّط له البعض في قلب بيت السلطة القضائية ضماناً لمصالح آنية وظرفية وسياسية، والأهداف لا تحمل اي توصيف آخر، خصوصاً اذا ثبت انّ ما يجري لأسباب انتقامية. فمنذ ان قيل انّ القضاء «للضعفاء فقط»، ادّت التطورات المتلاحقة الى تقدّم الساعين الى فرز القضاة على اساس انتماءاتهم في صفاتهم ومواقعهم الى هذه الطائفة أو المذهب او ذاك. وهو ما يثير الاستغراب الى حدود القلق على مستقبل هذه السلطة واحتمال فقدان هيبتها المستمدة مما لها من حقوق في إدارة بيتها الداخلي، مخافة ان يؤدي ذلك الى عجزها عن الادوار الكبيرة المناطة بها في الخارج، إن اثبتت فشلها في إدارة نفسها بنفسها، بما أُعطيت من حوافز قانونية وتنظيمية تسمح بمحاسبة وتهنئة من يستحق بسرّية تامة، قبل ان تتحول صفحة مفتوحة يتنازع فيها الرئيس صلاحياته مع مرؤوسيه على كل مستوى اعلامي وسياسي، وإذا وجدت قوة سياسية او حزبية او مذهبية الى جانب هذا او ذاك يتحقق له الفوز بما يريد.

 

في أي حال، وإن لم تشأ المراجع البحث في كثير مما لا يمكن مقاربته، فإنّها تعتقد انّ امام السلطة القضائية ابواباً عدة للخروج من محنتها، وانّ في امكانها استخدام مفاتيح الاقفال المتوافرة لديها. وهو أمر مناط باتحاد مسؤوليها بالتراتبية التي لا نقاش فيها. فالمهمة ليست صعبة إن اتفقوا على قراءة الواقع. فليس من بين المتنازعين عليها ومن حولها سوى من أرادها في يوم من الايام مطية لرغبة شخصية، وقد تناوبوا على التنكيل بها وتشويه صورتها.

 

وتختم هذه المراجع لتقول الى من يعينه الامر، انّ «الجراد الطبيعي» بات على الحدود، وان فُتحت له الابواب بسبب العجز عن مواجهته، فليس مسموحاً ان يجتاح «الجراد السياسي» السلطة القضائية. فماذا انتم فاعلون يا قضاة لبنان؟