كم نفتقد في هذه الايام العصيبة التي يسود فيها الهرج والمرج حتى بات المرء فيها لا يميز بين العدل والظلم الى شخصية القدوة وتعاليمها وتوجيهاتها , الشخصية التي كانت تمثل بكل حركاتها وسكناتها القيم بأروع صورها , الشخصية التي قالت كن في الفتنة كأبن اللبون لا ضرع فيحلب ولا ظهر فيركب , تلك هي شخصية الامام علي ابن ابي طالب عليه السلام الذي قال الكثير الكثير وعبّر في مواضع كثيرة عن خوفه على الاسلام وأهله اذا لم يلتفتوا الى القيم الدينية والانسانية والاخلاقية , وها نحن اليوم نحصد آثار عدم التفاتنا وأهتمامنا بتلك الوصايا , نحصد الفتن والقتل والتفتيت والشرذمة والفوضى العارمة وسوء التدبير , وحاضرا مشتتا ومستقبلا مظلما , فقد قال عليه السلام  "خشيت إنْ لم أنصر الإسلام وأهله، أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة بهما عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان ، كما يزول السراب أو كما ينقشع السحابُ".

في ذكرى مولد النور , نستذكر شخصية عظيمة عملاقة , رفضت السلطة والحكم لأنهما ستكونان على حساب قيمة من القيم , وهذا ما يرفضه الامام عليه السلام , لأن هدفه أثبات القيم قبل السلطة والحكم , بينما نرى بين المسلمين من يبيع القيم كلها من أجل سلطة او حكم لا قيمة له , لم يقبل الامام عليه السلام النصر بأساليب الظلم فقال :" أتأمروني أن أطلب النّصر بالجور فيمن ولّيت عليه ، و اللّه ما أطور به ما سمر سمير ، و ما أمّ نجم في السّماء نجما ".

في ذكرى مولد النور , نستذكر تلك الشخصية التي نفتقد لأمثالها في زمن التعصب المذهبي , والصراع السياسي المتلبس بالدين و وفي زمن الحروب العبثية التي لا تجر الا ندما , وكأني به يقول لو رأى ما يحصل على الساحة الاسلامية

يا أشباه الرجال ولا رجال حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال لو وددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرّت ندما وأعقبت ذماً قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً" , لم يكن الامام عليه السلام يريد أتباعا يحملون أسمه فقط , ولا اتباعا يتغنون ببطولاته فقط , بل كان يريد أتباعا مؤمنين أتقياء , يؤمنون بفكره ويعملون به , فلذلك قال : " أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد " , هكذا يريد من أتباعه بأن يكونوا مثالا للورع والعفة , وإلا فهو ليس بحاجة لهم لأنهم اذا لم يكونوا كذلك سوف يكونون وبالا عليه وعلى فكره وخطه وبالتالي على الاسلام وأهله بشكل عام