لكن الرادع الفعلي والحامي لهذه الطبقة الفاسدة من غضب هيجان الانتفاضة المحتجة الثائرة هو سطوة السلاح الذي شكل الحامي والسند الفعلي مع بعض من المناصرين الذين لايزالون ياكلون من موائدهم بظل هذا الغضب الهادر من انتفاضة الشارع الثائر والمحاولات المتكررة بالانقلاب عليه.
 

لم تكون صور سامي الجميل التي بثتها وسائل الاعلام المرئية والمسموعة التي تناولتها وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقاتها المختلفة  لتجول النائب السابق في اسواق طرابلس وشوارعها القديمة المكتظة بالناس والباعة والزوار.

 

 سامي الجميل لم يكن بحاجة لتصريح لزيارة عاصمة الشمال طرابلس مع عائلته او لتقديم حجة معينة بانه ياتي بزيارة عائيلية تفرضها الاعراف والتقاليد اللبنانية، لا المسألة اكبر من ذلك بكثير لان الجو الشعبي الذي رحب بالجميل لم يكن مصطنع او محضر له سابقا بل جاء عفويا  من قبل مواطن لبناني عادي يتجول في شوارع مدينته فكيف اذا كان المواطن سياسي ومسؤول ووجه بارز في لبنان كسامي الجميل النائب المستقيل بعد انفجار بيروت في الرابع من اب كرد فعل طبيعي على تعاطي السلطة مع القضايا المصيرية في البلد الذي يترنح تحت ضربات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والافلاس السياسي من طبقة اوصلت لبنان الى الهلاك لانها تعاملت مع الدولة كمزرعة خاصة بها وبرعاياها وخدامها وحاشيتها.

 

لكن خروج سامي الى الشارع والتجول وسط الناس هي خطوة تؤكدها تصريحاته ومواقفه السياسية التي مارسها منذ 6 اعوام حيث ميز نفسه وحزبه عن البقية بغض النظر عن كل المقولات التي تشير الى انه كان في السلطة، كان في السلطة وكان معارضا بحجم كتلته الصغيرة التي كانت تعارض وتحاول الى تاسيس نوع جديد من المعارضة داخل البرلمان.

 

 هنا تكمن المفارقة بين سامي الجميل النائب الحر الذي يتجول بحرية وسط شعبه وبين النواب الذين يخافون ناخبهم لا يجرئون على مواجهته  لانهم حولوا اعمالهم الى اعمال خدماتية بدل القيام بالتشريع وتسهيل حياة المواطنين على حساب المنافع الخاصة والارتزاق الشخصي من خلال المكانة التشريعية.

 

جميعنا يعلم بان هذا الصوت المحق ضعيف جدا ، ولكنه صوت يدوي كازيز الرصاص في غابة من الاشرار، لقد مارس حزب الكتائب ونوابه ورئيسه حركة اعتراضية طوال الفترة السابقة تجسدت باستقالة جماعية الى جانب بعض النواب الاخرين، رفضا لهذا النمط السلطوي البشع في التعامل مع لبنان والقضايا المصيرية التي يمر بها البلد وشعبه.

 

اذن الخروج الى الشارع دون مرافقة مع العائلة والتجول بهدوء يعني ذلك بان سامي الجميل رجل شفاف وواضح وصريح وشجاع وليس لديه ادنى شك من مواجهة الناس بحرية ،حتى خارج منطقته الانتخابية، وخارج حاضنته الشعبية الضيقة وخارج حزبه وبدون حراس ومواكبة لرئيس حزب بظل الوضع الامني الهش في لبنان ، وحالة الاضطراب الذي يعيشها لبنان وشعبه الرافص لكل الطبقة السياسية الساقطة الهرمة،  والتي تخاف الخروج دون مواكبة وتكاد لا تظهر في اي مكان شعبي واي مكان عام خوفا من الناس لان الشعب بانتتظارهم لاهانتهم وشتمهم حتى لم يعد مقبول استضافتهم على الشاشات ، هم لا يقوون على المواجهة سوى بالسلاح الذي يدعون بانه لحمايتهم من ناخبيهم الذي اصر ماكرون بانها طبقة منتخبة لا يمكن تجاهلها وتنسى بان هذه الطبقة مرفوضة ساقطة وصلت الى هذه الاماكن بواسطة تحالفات مذهبية ومحاصصات خاصة.

 

لقد تناست هذه الطبقة بانها لم تعد تقوى على الخروج والتحرك بحرية  وتزور الناس وتعقد لقاءاتها بصورة طبيعية دون مهاجمتها ومحاصرتها واخراجها من الاماكن العامة حتى من المطاعم والملاهي ، ويتم الاعتداء عليها معنويا. لم يذكر  الرئيس الفرنسي ماكرون  اثناء زيارته الثانية الى بيروت الجريحة بان هذه الطبقة الفاشلة النكرة لم تستطيع الوصول الى الناس اثناء انفجار المرفأ في 4 اب وتواسيهم لانها تعرف بانها غير مرغوب بها ومرفوضة وستطرد وتهان.

 

لقد زار العالم كله بشخصياته السياسية  المختلفة المكان المفجوع بمافيهم ماكرون نفسه الذي تجول في المنطقة والتقى الناس دون مرافقة اي مسؤول لبناني من هذه الطبقة، بل سمع ماكرون نفسه الشتائم التي لاتزال تحتفظ بها وسائل الاعلام والتي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ومحفوظة باليوتيوب،لكن للاسف هذه طبقة فاسدة محلياً ودوليا وكل الدول ابلغت الشخصيات اثناء اللقاءات البروتوكولية بانها لن تقدم لها مساعدات مالية اوعينية بل ستذهب للمؤسسات الموثوقة من قبلهم ومن قبل الناس لمساعدة المنكوبين في الانفجار ، وبالرغم من ذلك فكانت المساعدات تسرق وتباع في السوبرماركات بكل وقاحة .

 

مقاربة مع الثورة الرمانية :

يمكن مقارنة تظاهرات لبنان بتظاهرات  رومانيا   التي كانت تنادي برحيل الدكتاتور  ولم يكن يبالي كما حال طبقتنا السياسية التي لا تبالي لم يحدث في لبنان ، لقد بدات القصة  عندما فاض الظلم في حكم تشاوشيسكو ، الذي استعبد وذل  ابناء شعبه ، كان نظام حكمه بوليسي مستبد، حيث  استخدم مع شعبه سياسة التقشف والتفقير والتجهيل  حتي وصلت درجات التقشف الي قطع التيار الكهربائي لفترات طويلة للتوفير واختزال قنوات التلفزيون  الرسمي الي قناة واحدة  تبث ساعتان في اليوم ذلك لتسديد ديون البلاد في فترة وجيزة ، كما انه ارهق ميزانية الدولة من خلال تنفيذ مشاريع من اجله لاتعود بالفائدة علي البلاد والتنكيل بمن لا يمتدح الحزب الشيوعي الحاكم انذاك.

 

حاولت الجماهيرالوصول إلى القصر، إذ قتلت ما يقارب مائتي متظاهر، وجرحت أكثر من 1000، لكن المتظاهرين ظلوا يشقون طريقهم بكل قوة نحو مشارف القصر حيث كان يقيم تشاوشيسكو، فالمضحك المبكي لم يستطيع المقربون  اخباره بالانتفاضافة  بل كانت الكذبة اقوى  بانه اتوا الى القصر لمناصرته  فخرج يخطب في الجماهير الغاضبة، التي كانت تهتف برحيله،  مما أجبره على قطع خطبته أكثر من مرة. ومع تصاعد حدة الهيجان ولجوء بعض المتظاهرين إلى قذفه بالحجارة، أصيب بالذعر، وبلغ به الخوف مبلغه. حينذاك أخبره رجال أمنه بأنه لم يعد بإمكانهم السيطرة على هذه الجماهير الغاضبة وأشاروا عليه بالهروب. وصلت مروحية وحطت على سطح القصر الذي كان به مهبط طائرات مروحية، وهناك صعد نيكولاي تشاوشيسكو مع زوجته إيلينا وقائد أمنه الداخلي، وحلقت الطائرة بهم في الجو. وكان تشاوشيسكو كلما نظر إلى الشوارع من تحته وجدها مليئة بالجماهير الغاضبة. وكان ذلك مفاجأة كبرى بالنسبة إليه حيث ظن طيلة مدة حكمه بأنه محبوب من الشعب، وأن الشعب الروماني تم ترويضه.

 

حاول قائد الطائرة الهبوط أكثر من مرة، لكنه لم يجد مكانا آمنا يهبط فيه. في الأخير هبطت الطوافة في مكان بعيد، فقام أعوانه بسرقة سيارة من إحدى المزارع وأسرعوا باحثين عن مخبئه السري الذي لم يتمكنوا من العثور عليه. وبينما هم يركضون باحثين عن المخبأ السري تمكن عدد من المزارعين من الإمساك بتشاوشيسكو وزوجته بعد أن هرب قائد الأمن الداخلي، وهرب معه قائد الطائرة، وهما يعتبران من أقرب المقربين لنيكولاي تشاوشيسكو، ومن أشد الموثوق بهم.

 

قام المزارعون بتسليم نيكولاي وزوجته إلى مركز شرطه قريب من المكان. وهناك اتصل رجال الأمن بالقيادة المركزية التي لم تعد تابعة لتشاوشيسكو، وبلغ الأمر إلى إيون إيليسكو فحضر على الفور إلى مكان احتجاز تشاوشيسكو وزوجته. وهناك أمر بتشكيل محكمة ميدانية من بعض ضباط الجيش الذين انضموا إلى جماهير الشعب، وبدأت محاكمة تشاوشيسكو وزوجته إيلينا في محاكمة سريعة لم تتجاوز الساعتين، تم على إثرها الحكم بإعدام نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته إيلينا يوم 25 ديسمبر 1989، أي يوم عيد الميلاد. وكان أحد أفراد جهاز أمنه الداخلي "سيكيوريتاتا" هو من تكلف بإعدامه رميا بالرصاص. وقد نقلت مشاهد الإعدام مباشرة عبر شاشات التلفزيون لكي يتأكد الشعب بأن الدكتاتور تم إعدامه وأنه انتهى إلى الأبد.

 

  ومن هنا ياتي شعار الثورة  اللبنانية الرافض لهذه الطبقة الفاقدة شرعيتها بانهم كلهم يعني كلهم الا ان هذه الطبقة المرفوضة من الشعب  الذي نزل للشارع وصرخ بوجههم بصوت عالي وتدعوها للرحيل وتطبيق الدستور في صرخة شعبية بوجه الفساد الذي افقر الناس واوصلهم لهذا الانهيار الفاجع ورفع شعار كلن يعني كلن  لكن هذه الطبقة الفاسدة تعرف جيدا بان الشعب قد يسحقها ويفعل بها كما فعل المنتفضون في اوكرانيا عام 2014 ووضع النواب والوزراء في مستوعبات النفايات .

 

لكن الرادع الفعلي والحامي لهذه الطبقة الفاسدة  من غضب هيجان الانتفاضة المحتجة الثائرة  هو سطوة السلاح الذي شكل الحامي والسند الفعلي  مع بعض من المناصرين  الذين لايزالون ياكلون من موائدهم  بظل هذا الغضب الهادر  من انتفاضة الشارع الثائر والمحاولات المتكررة  بالانقلاب  عليه.