في المعلومات أنّ الرئيس إيمانويل ماكرون فتَح خطوط التشاور مباشرة مع طهران، بعدما وصل في مفاوضاته مع القوى الشيعية في لبنان إلى الحائط المسدود. ولهذه الغاية، هو استخدم أقنية عدة، لعله ينقذ مبادرته اللبنانية، ويتجنّب النكسة السياسية. لكن الجواب جاءه قاطعاً «مستعدّون للمقايضات، لكن مصير «حزب الله» ليس قابلاً للتفاوض»!

 

بعض العالمين يعلّقون على هذه المناخات السلبية بالقول: «لقد انتهى الرئيس المكلَّف مصطفى أديب، في كل الحالات، سواء أعلن اعتذاره أو شكَّل حكومة جديدة.

 

إذا اعتذر الرجل فذلك سينهي المبادرة الفرنسية تماماً ويعيد لبنان إلى «ستاتيكو» ما قبل زلزال 4 آب، وإذا ألَّف حكومة جديدة تعبِّر عن رضوخه لشروط الثنائي الشيعي، فإنه سيضع نفسه في موقع الرئيس حسّان دياب نفسه، أي في «ستاتيكو» ما قبل 4 آب أيضاً».


 
 

وهكذا، في رأي هؤلاء، إنّ محاولات أديب على وشك الفشل. وسيُكمل البلد مساره الانحداري نحو الانهيار الكامل. وما يجري اليوم من محاولات تعويم للمبادرة الفرنسية، في بعض وجوهه، قد يكون محاولة لحفظ ماء وجه ماكرون.

 

ولكن، لماذا فشل أديب، ومعه ماكرون، وتموت المبادرة الفرنسية، على رغم الدفع الذي تمتّعت به دولياً حتى من جانب واشنطن، وداخلياً حتى من جانب «حزب الله»؟

 

المطلعون يقولون: منذ اللحظة الأولى، ظهر خطأ ماكرون عندما راهن- من دون مبرِّرات منطقية - على أنه سيتمكن من إقناع الثنائي الشيعي بالتخلّي عن امتيازاته الواسعة النطاق في السلطة، علماً أنّ هذه الامتيازات مصيرية بالنسبة إليه. ففي هذا المجال، كان واضحاً أنّ «حزب الله» يحاول امتصاص الغضب الذي تسبّبت به كارثة المرفأ، وأنّ الوعود التي أطلقها ليس مضموناً أنه سيلتزم تنفيذها.

 

وفي المقابل، قدّم مصطفى أديب نموذجاً زاد الهواجس الشيعية. فهو قرَّر عدم مفاوضة القوى السياسية في اختيار الأسماء، وهذا الأمر كان يمكن أن يكون ورقة قوية في يده. لكنه ترك انطباعاً بأنه ينسِّق الخطى مع تيار «المستقبل»، وتحديداً الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة. وهذا ما استثار الثنائي الشيعي ومَنحه ذريعة إضافية للتصلّب.

 

إذاً، ما لم تطرأ تحوُّلات مفاجئة، المبادرة الفرنسية تقترب من نهايتها، ومعها مهمّة أديب. وفي أي حال، إذا قرّر الرجل أن يتخلى عن «طموحاته الاستقلالية» ويقبل بتأليف حكومة تُجدِّد «التعايش الخبيث» أو التواطؤ بين أركان الطاقم السياسي، فسيكون قد وضع نفسه على رأس «حكومة دياب الثانية»، لا أكثر، حيث لا مجال لأيّ قرار يترجم الاستقلالية عن القوى السياسية أو للدخول في أي إصلاح أو محاسبة.

 

يعني ذلك أنّ لبنان مُقبل إمّا على «إنعاش» حكومة دياب نفسها لمزيد من تمرير الوقت، ولا سيما الانتخابات الرئاسية الأميركية التي باتت على مسافة أسابيع قليلة، وإمّا على تكرار حكومة دياب للغاية نفسها من خلال أديب. وفي الحالتين ستكون العواقب وخيمة، والعقوبات كذلك، خصوصاً بعد قرار الولايات المتحدة تفعيل آلية العقوبات من مجلس الأمن ضد طهران «سناب باك»، ولو من جانب واحد.


 
 

من سوء حظ الفرنسيين أنّ مبادرتهم اللبنانية تتعرض للسحق تحت أقدام الخيل في معركة واشنطن- طهران. وبالتأكيد، هم يطمحون إلى الاضطلاع بدور تَسووي في هذا النزاع الكبير، وتقاضي الأتعاب، لكن التسوية ليست واردة في هذه الظروف. إلّا أنّ ما يستثير ماكرون هو أنه يفشل حتى في رعاية الوساطة الصغيرة في بلد صغير كلبنان.

 

مشكلة ماكرون هي أنه لا يمتلك الثمن الذي سيدفعه لإيران أو للولايات المتحدة، أو هو غير مستعدّ لدفعه. والموقف «الوسطي» الذي يعتمده الفرنسيون، والأوروبيون عموماً، في النزاع الأميركي - الإيراني، لا يساعدهم على الاحتفاظ برصيد لهم هنا أو هناك.

 

وبعد تفعيل آلية «سناب باك»، لم يعد ترامب يكتفي بالضغط على إيران ومحاصرتها، بل هو يلوّح بعقوبات تستهدف القوى الدولية والإقليمية التي ستواصل التعاون معها وتتجاهل العقوبات الأميركية. وهذا يضع فرنسا أيضاً في موقع حرج، وينعكس أيضاً على مستوى التغطية الأميركية التي تتمتع بها مبادرتها للحل في لبنان.

 

وسيكون عبثياً رهان الفرنسيين أو الإيرانيين على الانتظار وتمرير الانتخابات الرئاسية الأميركية، لأنّ ترامب وجو بايدن متوافقان على طريقة التعاطي مع الملف الإيراني. فكلاهما أعلنا أنهما مستعدان لعقد اتفاق جديد مع طهران، ولكن تحت سقف 3 قواعد:

 

1 - ضمان أنها أوقفت بناء قدراتها النووية.

2 - عدم حصولها على أسلحة جديدة، ولو تقليدية، من روسيا والصين أو سواهما.

3 - وقف التمدُّد الإيراني في دول أخرى في الشرق الأوسط.

 

ربما يطمح ماكرون إلى إقناع إيران بالتجاوب مع الشروط الأميركية، ما يمنحه رصيداً يساوم به في ملفات عدة، ومنها لبنان وشرق المتوسط حيث التحدّي في ذروته بين باريس وأنقرة. ولكن، ليس لفرنسا ما تقايض به.


 
 

إذاً، الآن «بدأ الجدّ». ربما لا تكون هناك مشكلة لدى ترامب إذا تعثّرت المبادرة الفرنسية، لأنه واثق في أنّ الحلول في لبنان والشرق الأوسط ستكون كما يريدها الأميركيون... والإسرائيليون. ولا مشكلة أيضاً لدى إيران إذا تعثّرت المبادرة الفرنسية، فهي أساساً معتادة على ممارسة «الصبر الاستراتيجي» في المنطقة كلها. وكذلك، ماكرون سيُصاب بنكسة سياسية في الشرق الأوسط، لكنّ النكسة لن تُقرِّر مصيره أو مصير فرنسا.

 

فقط، في لبنان، سيكون التعثّر مسألة مؤلمة جداً، مع تَسارع الانهيار ليبلغ الحضيض. ولكن، بعد ذلك… سيكون لكل حادث حديث.