«الأحلام الكبرى تتحقّق من خلال علاج الواقع»
 

في الانحرافات النفسية لبعض المصابين بالنرجسية، يلجأ هؤلاء إلى نوع من الابتسام الغبي عندما يواجهون في الوقائع التي لا قدرة لهم على حلّها، أو يذهبون إلى الإنكار في محاولة يائسة لتوجيه الأنظار نحو مواضيع أخرى لا دخل لها بالسؤال المطروح أو الوقائع الملحة. هكذا بدا وزير خارجيتنا الخارج نظريّاً من الحكم خلال المقابلة التي أُجريت معه في دافوس. من الطبيعي أنّ تلك المقابلة أخذت حيّزاً واسعاً من المشاهدة والتعليقات الجارحة لدى اللبنانيين وغير اللبنانيين. فالرجل لم يترك لأحد مجالاً لكي يتجاهله أو أن يكون حيادياً في الموقف منه! فمن قلّة من الناس ما زالت تؤمن بعبقريته، وربما نزاهته، أو حتى طيب وحسن مقاصده، إلى أكثرية واسعة ترى فيه شخصية نرجسية لا همّ لها إلاّ تحقيق شهواتها في السلطة والشهرة، حتى وإن كان ذلك على الركام. لكن، لا بأس، فقد يكون الرجل مثالاً يُحتذى به لقادة العالم الثالث وسياسييه القابعين على صدور العباد رغم دمار البلاد، وبشّار الأسد قد يكون أوّلهم.

 

ولكن، ومع إدراكي أنني من خلال ذكري له في المقدمة أساهم في دعم ما يتمناه هو بأن يكون دائماً، وإن سلباً، محطّ أنظار الإعلام، وإلّا، فلما كان عليه تحمّل حفلة التعذيب في دافوس وهو يعلم الفخ الذي كان معدّاً له؟ لكنّ الهدف هو التأكيد أنّ لبنان يتجه بسرعة نحو منظومة سياسية تافهة لا تختلف أبداً عن المنظومات المدمرة القائمة حولنا. أي حكومات نظرية، بشخصيات هامشية، ليس لها تاريخ في الخدمة العامة، وربما لا تسعى إلى مستقبل غير حمل لقب المعالي أو الدولة، يديرها من يديرها من خلف الكواليس، الطبقة السياسية نفسها التي أوصلت البلاد إلى الدرك الأسفل بكلّ شيء، من اقتصاد ومال وسياسة واجتماع، ومعها طبعاً كل القواعد الأخلاقية التي تحكم علاقة البشر ببعضهم.

 

التجاهل الجميل هو عنوان الواقع اليوم، فمن أراد أن يسعى الى النجاح عليه ان يتعامل مع الواقع بموضوعية. الموضوعية تقتضي أولاً تصنيف العوارض المرضية والتعامل معها بأولوياتها الأكثر خطورة. ومن الواضح أن الهاجس الأكبر اليوم هو الوضع المالي المتردي بسبب جنون سعر صرف العملة وبسبب ضمور الكتلة النقدية المتداولة بين الناس، وهذا الوضع قد يكون الهاجس النفسي والواقعي الأول للناس، وهو أحد أهم عوامل فقدان الأمل والثقة لدى المواطن. والسؤال المنطقي للحكومة اليوم هو كيف ستداوي هذا العارض سريعاً؟ وعلى الرغم من أن الأجوبة اليوم أصبحت معروفة، وهي تأمين كتل مالية وازنة لإعادة التوازن، لكنّ الوسيلة الأسرع، وهي الدعم المالي الدولي، لا تبدو متوافرة حتى الآن، وذلك لأسباب سياسية سأعود إليها لاحقاً. والسؤال الذي لم نسمع جواباً له هو: كيف ستتعامل الحكومة مع هذا الوضع في ظلّ غياب الدعم الخارجي؟ وهل ستثبت الدولة سعر صرف العملة بناء على تصريح وزير المال الجديد والخبير؟ وإن ثبّتته فعلى أيّ سعر؟ وبأيّ ثمن؟ وكم سيكون حجم التضخم وتدني القدرة الشرائية للمواطنين؟ يجيب البعض هنا من ذوي الأفكار الطفولية حول الأمور الاقتصادية أن الحلّ هو باسترجاع المال المنهوب، ويعطي البعض مثالاً ما حدث في السعودية في فندق «الريتز»! ولكن هل سيكون هذا الحلّ واقعياً في بلد مثل لبنان؟ وإن كان معظم المتهمين بالارتزاق وجمع الثروات على حساب المال العام هم في السلطة اليوم، أو جالسين وراء الكراسي، فممن سيُستردّ المال العام المنهوب؟ فهل سيذهب من هم في السلطة إلى استهداف من هم خارجها؟ وإن حصل، فكيف سيكون ذلك؟ بالقضاء أو بالبلطجة؟ وإن حصل ذلك وتم استهداف البعض وتجاهل آخرين، فالكل يعرف الكل «ومن كان منكم بغير خطيئة فليرجمها بأول حجر».

 

لكن، لنعد إلى القضايا الأقل إلحاحاً اليوم، بالطبع بالمقارنة مع الوضع المالي، مسألة الكهرباء. وهي المسألة التي يجب أن يكون حلها بسيطاً وهو المعامل التي يحتاج إنشاؤها أو تطوير الموجود منها إلى ما يعادل مصروف أقل من سنتين على هذا القطاع من المال العام، وبما أنّ الملف بقي لعقدين تقريباً في يد الفريق الحاكم اليوم، ولم يزد الوضع الكهربائي إلّا تردياً، ولم نسمع من الوزير، وهو مستشار مستشار الوزير السابق، شيئاً عن أمل الخلاص. سيقول البعض طبعاً أنني أستبق الأمور وأن الوزير جديد وعلينا الانتظار لنرى النتائج، ولكن إن كان الوزير من الفريق السابق الذي عمل على الموضوع، فلو «بدها تشتي كانت غيّمت!»

 

عن محاربة الفساد؟ حدّث ولا حرج، فكيف ننتظر من سلطة قائمة أن تلاحق جماعتها في الإدارة، وهم في معظم الحالات وكلاء السلاطين الذين وضعوهم في مواقعهم، ولطالما كان الفساد أهم وسائل السلطة وأهلها لدوام عزهم؟ فهل سيعني هذا أيضاً أنّ عملية مطاردة الساحرات ستطاول من لا ظهر لهم في السلطة؟ أم أنّ الأمر سيذهب إلى بعض الدروس التجميلية الهامشية، لأنّ الجميع يعرف الجميع، «والكل أهلية بمحلية»، فتطاول الحملة الأضعف، ويترك الأساس كما كان؟ وهنا أيضاً لا يجب استباق الأمور، وعلينا أن ننتظر لنحكم.

 

ولكنني، وفي مجال التجاهل الجميل، سأنتقل إلى ملف مغرض، وهو الملف الذي تجاهله المنتفضون بنحو بائس، وهو ملف السلاح غير الشرعي، أي سلاح «حزب الله». تجنّبه المنتفضون على أساس أن ذلك سيستدرج جمهور المقاومة إلى ساحة الانتفاضة، وقد فشل المخطط بنحو شبه كامل، فلم يستدرج إلى الساحات إلّا من كانوا هم أصلاً من غير الجمهور المأخوذ بالأساطير. أما البقية فإما تجاهلوا، أو وقفوا سداً منيعاً في وجه «مؤامرة الانتفاضة المدعومة أميركياً للنيل من المقاومة!»

 

ولكن، وبكل موضوعية، أريد أن أسأل عن طريقة التعامل مع السلاح غير الشرعي، وهو العائق الأساسي أمام الاقتصاد الذي يعاني من ضمور الاستثمارات لغياب الاستقرار، وموت السياحة في ظل التهديدات والعنتريات المستمرة لسلاح المقاومة تجاه من يأتون للسياحة عادة في لبنان. كيف يمكن أن نشجع من يتعرضون للشتائم بنحو متكرر على الشاشات المخصصة للخطابات الحماسية لزعيم المقاومة لكي يسوحوا في بلاد الأرز والثلج الأبيض الذي يغطي الجبال؟ وكيف سيستمع البعض لالتماساتنا بالدعم عندما لا نحمل لهم حتى بالجميل؟ وكيف ستتعامل الحكومة مع المعابر الشرعية وغيرها، هل سيفتح أو يمرّ «كونتينر» المقاومة على السكانر؟ هل ستعرف الحكومة محتوى الشاحنات العابرة للحدود تحت شعار المقاومة؟ وماذا ستفعل الحكومة إذا صدرت الأوامر لفيلق الحرس الثوري اللبناني أن يبدأ رشق الصواريخ؟ وكيف سنقنع الأميركي بوقف العقوبات في ظلّ النزاع المستمر مع إيران وكون المقاومة عندنا جزءاً لا يتجزأ من مشروع الممانعة؟

 

أعلم أن من سيقرأ المقال من جمهور المقاومة سينعتني بالعميل الإسرائيلي والأميركي، ومن بعدها بالداعشي، أمور قد خبرتها تكراراً على صفحات التواصل الاجتماعي، وقد يقول البعض الآخر أنني أحاول تحويل الأنظار عن مطالب الثورة من أجل تفريق المشاركين فيها! ولكن، وبغض النظر عن رأيي في المقاومة ومدى أحقيتها، فإن السبب الرئيسي لصعوبة علاج الأمور هي أنّ كلّ إصلاح سيبقى عرضة للتخريب في ظلّ التفلّت الأمني والسياسي المرتبط بالسلاح غير الشرعي، وكلّ تجاهل على طريقة النعامة لهذا الواقع لن يؤدي إلى علاج مَوَاطِن المرض.