احتجاجات الشرق الأوسط تتحول إلى سباق حول هوية الأطول نفسا، المتظاهرون يفتقرون إلى التعاطف الدولي الذي تمتعت به انتفاضات 2011.
 
تملأ المظاهرات والاحتجاجات منذ أشهر مختلف الساحات العامة في بلدان عدة بمنطقة الشرق الأوسط، في العراق ولبنان وحديثا إيران وكذلك في شمال أفريقيا وتحديدا بالجزائر، للمطالبة ليس فقط بإجراء إصلاحات سياسية أو اقتصادية بل للثورة على الأنظمة.
 
وعلى شاكلة الموجة الأولى مما يسمى بالربيع العربي التي أسقطت أنظمة سياسية في تونس ومصر وليبيا واليمن، يتابع الجميع ما يأتي من أخبار من هذه الدول الغارقة حاليا في الاحتجاجات لمعرفة مدى قدرة صمود الشعوب المحتجة، ومدى مقاومة الأنظمة في الدفاع عن حكمها.
 
وتحوّل كل من العراق ولبنان في الأسابيع الأخيرة إلى أشبه بمختبرات حقيقية لمعرفة من سيفوز بالسباق ومن سيكون له النفس الأطول، فهل هي الشعوب الثائرة أم الحكومات التي تنوّع من الاستراتيجيات التي قد تضمن لها البقاء.
 
تسعى بعض أنظمة هذه الدول إلى اتخاذ خطوات يمكن أن تخفت أصوات الشارع المحتج، ففي لبنان استقال رئيس الحكومة سعد الحريري، لكن الشعب مازال مصرّا على قلب نظام طائفي، وفي العراق أيضا يكابد رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي للحفاظ على أركان الحكم، لكن العراقيين يبدو أنهم مصممون أيضا على اقتلاع جذور نظام قوامه الطائفية والارتهان إلى إملاءات إيران.

وفي إيران، يرجّح أيضا ألاّ يكون للمبررات التي تسوقها قيادة النظام كرفعها شعار “الحرب العالمية” ضد طهران صدى لدى المحتجين غير المبالين بالشعارات القومية التي لن تؤدي أبدا إلى إصلاح الوضع المعيشي لقرابة 80 مليون إيراني.

أما في الجزائر، فإن الحراك الشعبي الذي سيصل أسبوعه الـ41 مازال متمسّكا بإرادته في تغيير النظام برمّته وذلك بالقطع مع كل من حكم إلى جانب الرئيس المعزول عبدالعزيز بوتفليقة، وذلك برفض الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 12 ديسمبر القادم، متهمين السلطة الحالية التي يقودها الجيش بالانقلاب على رغبة الشعب وتطلعاته.

هذه التساؤلات التي ستحدّد ربما نهاية السباق بين الحكومات والشعوب يطرحها جيمس دورسي الكاتب بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، بتأكيده في تحليل له أن الاحتجاجات الجماهيرية المعادية للحكومة في العديد من الدول العربية تحوّلت إلى سباقات لتحديد من يمتلك النفَس الأطول؛ المتظاهرون أم الحكومة.

ويقول دورسي “يبدو أن الحكومات في دول مثل الجزائر ولبنان والعراق، وهي الدول التي أُجبر فيها الزعيم على الاستقالة أو وافق على التنحي، تجر أقدامها نحو تسليم السلطة أو ترتيبات تقاسم السلطة الانتقالية المتفق عليها على أمل أن يفقد المحتجون، المتمسكون بقوة بقائهم في الشوارع حتى يتم تنفيذ عملية الانتقال السياسي بثبات، قوتهم أو أن تنهار هذه القوة بفعل الاختلافات الداخلية”.

ويقول إن المتظاهرين يصرّون على التمسك بموقفهم، بعد أن تعلّموا الدرس القائل إن من المرجح أن تتراجع إنجازاتهم إذا أخلوا الشارع قبل ترسيخ اتفاق بشأن قواعد اللعبة السياسية الانتقالية والعملية.

ولا يزال الجزائريون متواجدين في الشوارع، بعد مرور سبعة أشهر من إجبار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على التنحي، مطالبين بتغيير كامل للنظام السياسي. وقد فشلت العشرات من الاعتقالات الأخيرة بتهم تشمل “الإضرار بالوحدة الوطنية” و”تقويض معنويات الجيش” في ردع الجزائريين الذين يرفضون قبول الموعد المقترح للانتخابات في 12 ديسمبر.

ويدخل لبنان شهره الثاني من الاحتجاجات، حيث تحاول الحكومة الاستجابة للمطالب على مضض، ولكنها تفشل في النهاية في الاستجابة لمطالب إنشاء حكومة “تكنوقراط” وإصدار قانون انتخابي جديد غير طائفي، وعقد انتخابات مبكرة. كما رفض المتظاهرون محاولة استبدال رئيس الوزراء سعد الحريري بعضو آخر من النخبة، وهو محمد الصفدي، رجل الأعمال والملياردير ووزير المالية السابق.

وقال المخرج السينمائي بيرلا جو معلولي “سنظل هنا، لا أعلم لكم من الوقت، ربما شهر أو شهرين أو عامين. ربما يستغرق الأمر 10 سنوات للوصول إلى الدولة التي نحلم بها، لكن كل شيء يبدأ بخطوة أولى”.


وبعد أسابيع من الموافقة على الاستقالة استجابة للضغوط الشعبية، يبدو أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يثبت موطئ قدمه في السلطة من جديد. وعلى قدر ما يشبه إلى حد كبير ما دفع الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، في عام 1991 إلى الدعوة إلى تنظيم حركة تمرد شعبي ضد صدام حسين، ومن ثم إعطاء الرجل القوي العراقي الأدوات اللازمة لسحق الانتفاضة، فإن المهدي يتمسك بالسلطة في غياب مرشح موثوق به ومقبول من النخبة السياسية ليحل محله. ومما يعزز موقف عبدالمهدي حقيقة أنكل من الولايات المتحدة وإيران لا تريدان ظهور فراغ في السلطة في بغداد.

ومن المرجح أن يؤدي تراجع عبدالمهدي عن استقالته، والامتناع عن تعيين رئيس للوزراء يتمتع بمصداقية الوعد بالتغيير الحقيقي، إلى تشديد خطوط المعركة بين المحتجين والحكومة. وتسلط هذه الانتفاضات الضوء على التحديات التي يجب على كلّ من المحتجين والحكومات التعامل معها بحذر في ما يرقى إلى مستوى اللعبة المعقّدة مع الحكومات التي تسعى إلى تهدئة المتظاهرين من خلال محاولة تنفيذ مطالبهم، بينما تخطط من الناحية الأخرى للحفاظ على الهياكل السياسية الأساسية التي يريد النشطاء المعادون للحكومة اقتلاعها.

ويكمن خطر هذه التظاهرات في أن تتحول إلى أعمال عنف كما حدث في هونغ كونغ أو في لبنان، حيث تعرضت سيارات نواب البرلمان لهجمات أثناء توجههم هذا الأسبوع لحضور جلسات مجلس النواب.

ويقول جيمس دورسي “إن تلبية مطالب المحتجين وتطلعاتهم التي تحرك المظاهرات، وتظهر بوضوح في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بغض النظر عمّا إذا كانت الاحتجاجات قد انطلقت إلى الشوارع، هو ما يجعل عمليات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي عملاً خادعاً للحكام في المنطقة، وذلك بسبب ضرورة ممارسة هذه الحكومات السياسة القمعية من جديد لأجل الدخول في مرحلة الإصلاحات المستدامة. حيث يتطلب الإصلاح المستدام وجود مؤسسات قادرة وفعالة بدلاً من مؤسسات مصرفية تعمل بشكل روتيني في ظل منح سلطات أكبر للبلديات والأقاليم”.


إن تغيير العقود الاجتماعية عن طريق فرض أو زيادة الضرائب، وخفض الدعم على السلع الأساسية وتضييق فرص العمل في الحكومة، يجب أن يقترن بشفافية أكبر توفر نظرة عامة للجمهور حول كيفية ضمان الحكومة للاستفادة من العقد الاجتماعي الجديد.

أثبت السودان عزم المتظاهرين على الإبقاء على سلطة الشارع حتى يتم وضع الترتيبات الانتقالية. وقد استغرق الأمر خمسة أشهر بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير وإطلاق حملة أمنية لقوات الأمن قُتل فيها حوالي 100 شخص قبل موافقة الجيش والمتظاهرين والجماعات السياسية على تطبيق عملية انتقالية لتقاسم السلطة. وتضمّنت العملية إنشاء مجلس سيادي مكوّن من مدنيين وضباط عسكريين يحكمون البلاد ويديرون مرحلة انتقالها الديمقراطية.

ومع ذلك، فإن التجارب الانتقالية لم تثبت بعد قوتها وصرامتها. ربما يكون المتظاهرون قد تعلموا الدروس من الثورات العربية الشعبية لعام 2011 التي أطاحت بزعماء تونس ومصر وليبيا واليمن. ومع ذلك، في هذه المرة، يفتقر المتظاهرون إلى التعاطف الدولي الذي تمتعت به انتفاضات 2011.