الاحتجاجات في إيران تزيد من حدة الضغوط المسلطة على الطبقة السياسية، التي كانت تجد في طهران عونا لها على الشعب العراقي المحتج.
 
بينما تزداد حركة الاحتجاج في العراق ثباتا وتنظيما، تستغرق الطبقة السياسية في صمت عميق، يشرح الحيرة الكبيرة وهي تواجه انتشار مطلب إسقاط النظام، الذي يصيبها في مقتل.
 
ويكاد المثل العربي الشائع “جعجعة بلا طحين” أن يكون لسان حال الاجتماعات المستمرة في المنطقة الخضراء ببغداد، بحضور مختلف الأطراف، إذ لم يصدر عنها حتى الساعة ما يوحي بأنها تستوعب شكل الحراك الاجتماعي واتجاهاته.
 
وتواصل المصادر القريبة من الحكومة تسريب الأنباء ذاتها عن نتائج هذه اللقاءات، التي على سطحيتها وتجاهلها لمطالب المحتجين، لم يتحقق منها شيء، من قبيل التعديل الوزاري وملاحقة كبار الفاسدين.
 
لكن الشكل العام، الذي يشي بالبرود في المنطقة الخضراء، يكشف عن أزمة عميقة في النظام السياسي العراقي، أوقفته مشلولا وحائرا في مواجهة الاحتجاجات، لأن تنفيذ مطالب المحتجين بشكل حقيقي، سيخرج القوى الحاكمة من المشهد تماما.
 
وجاءت الاحتجاجات في إيران، لتضع ضاغطا إضافيا على الطبقة السياسية، التي كانت تجد في طهران عونا لها على الشعب العراقي المحتج، لكن عليها الآن الانشغال بمشاكلها الداخلية.
 
ويعتقد مراقبون أن حالة “الثورة” في احتجاجات العراق وإيران مترابطة، إذ يستهدف كلا الطرفين النظام السياسي نفسه، وإن كان ممثلا في حكومتين، واحدة في بغداد والأخرى في طهران.
 
وبحسب مراقبين للشأن العراقي، فإن الطبقة السياسية في بغداد تعتقد أن مباشرتها في تقديم تنازلات للشارع المحتج، لن يكون ممكنا وضع حد لها في ما بعد، بمعنى أن التنازل عن شيء واحد يعني التنازل عن كل شيء، لذلك تتمسك بمكاسبها جميعا، على أمل أن يقع حدث مفاجئ يخلط الحسابات.
 
وقال متظاهرون إن الحكومة تفتعل تفجيرات صغيرة في ساحات التظاهر ببغداد والناصرية، لتنفذ من خلالها إلى الحديث عن المخاطر الأمنية التي تفرضها الاحتجاجات في بلد يعيش استقرارا هشا، على غرار ما حدث في ساحة التحرير يوم الجمعة، عندما انفجرت عبوة تحت عجلة وقتلت أربعة أشخاص.
 
وما زاد من حيرة القوى السياسية موقف المرجعية الشيعية العليا في النجف، ممثلة بآية الله علي السيستاني، التي تحافظ على مسافة متساوية تقريبا من المحتجين والساسة على حد سواء، برغم الانتقادات اللاذعة التي وجهتها للحكومة منذ اندلاع التظاهرات مطلع الشهر الماضي.
 
وتدرك الطبقة السياسية أن المرجعية يمكنها قلب الموازين، في حال كرست مشروعية حركة الاحتجاج، وتبنت مطلبها الرئيسي القاضي بإسقاط النظام السياسي.
 
لكن الساسة، يدركون أيضا أن المرجعية لن تجازف بدعم مطلب إسقاط النظام السياسي القائم، من دون ضمان أن يكون النظام القادم شيعيا، شكلا ومضمونا، برغم الإشارات المستمرة التي تصدر من ساحات الاحتجاج بأن الحراك الحالي يكاد يكون شيعيا بامتياز، ما يعني أن مخرجاته لن تكون إلا شيعية، وفقا لقاعدة الأغلبية والأقلية.
ومنذ بدء الاحتجاجات كان واضحا أن حجم رد الطبقة السياسية الحاكمة في العراق لن يتخطى حدود الوعود التي يمكن وصفها بالهوائية وأنها فوجئت بما يجري في الشارع. لذلك فقد كانت المسافة تتسع بين ما يفكر به الشعب وما تفكر به تلك الطبقة السياسية الغارقة في فسادها.
 
وإذا ما كانت في مرحلة ما قد اعتمدت الحكومة العراقية على الحل الأمني فإن ذلك الحل قد أثبت فشله بعد أن صمد الشباب المتظاهرون أمام حفلات القتل التي كانت تُجرى يوميا.
 
وكان من المتوقع أن تجد طهران حلا للأزمة بعد أن صممت على بقاء حكومة عادل عبدالمهدي، فإن الوقائع تشير إلى أن العروض الإيرانية لا تتجاوز حدود الحل الأمني الذي صار من الصعب الاستمرار فيه في ظل ردود فعل عالمية، ولم يكن من اليسير غض الطرف عنها وبالأخص موقف الولايات المتحدة.
 
ولأن سقف المطالب هو أعلى من قدرة السياسيين على التعامل مع تلك المطالب إيجابيا فقد فضلوا أن يكونوا في حالة انتظار مراهنين على حالة اليأس التي قد تتمكن من المتظاهرين.
 
غير أن ذلك الانتظار، وفق مراقب سياسي عراقي، صار اليوم بمثابة رهان خاسر بعد أن وجد المتظاهرون في الوضع الذي يعيشه الشارع الإيراني ما يشجعهم على المضي قدما في احتجاجاتهم السلمية التي صارت بالنسبة لهم أشبه بخشبة الخلاص الأخيرة، بعد أن يأسوا تماما من أن تجد الطبقة السياسية حلا لأزمتها.
 
وقال المراقب في تصريح لـ”العرب”، “بدلا من أن تتمكن الأزمة من المتظاهرين تمكنت بطريقة سلسة من الطبقة السياسية التي قد لا تجد في أي لحظة مفرا سوى الاستسلام. وذلك كما يبدو هو الخيار الوحيد المتبقي. وهو ما يبدو اليوم صعبا غير أن الوقت يمر لصالح الاحتجاجات”.