على صعيد السياسة الخارجية والموقف من التسوية ومن الفلسطينيين، لا جديد في أي حكومة إسرائيلية قادمة في المدى المنظور، لا مع يمين متطرف ولا يمين معتدل، ولا مع وسط، ولا يسار وسط، لا مع قوميين ولا مع دينيين.
 

كرّرت نتائج الانتخابات للكنيست الإسرائيلي في دورته الـ22، التي جرت الثلاثاء الماضي، النتائج التي تمخّضت عنها النتائج السابقة لانتخابات الكنيست في دورته الـ21، والتي جرت في أبريل الماضي، تقريبا، أي مع فوارق بسيطة. فيما تأتي أهم الملاحظات التي يمكن استنتاجها من النتائج الأولية للانتخابات:

 

أولا، أكدت تلك الانتخابات انقسام المجتمع الإسرائيلي بشكل عام إلى قسمين، يميني ويساري، وفقا للاعتبارات والمعايير الإسرائيلية طبعا، مع انزياح لصالح اليمين (حتى في أوساط اليسار)، سيما في المسائل الخاصة بالسياسة الخارجية والمسألة الفلسطينية. وفي هذا الإطار، وإذا ظلّ الاستقطاب الحاصل على حاله، أي دون حكومة وحدة وطنية بين ليكود وحزب أزرق أبيض، ودون توافق حزب “إسرائيل بيتنا” لزعيمه أفيغدور ليبرمان، فربما أن كتلة الأعضاء العرب في الكنيست هي التي يمكن أن تلعب دورا كبيرا في تحديد رئيس الحكومة والائتلاف الحكومة، وهو ما حصل إبّان التصويت في الكنيست على اتفاق أوسلو عام 1993.

 

ثانيا، بيّنت النتائج حجم الشروخ الثقافية الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي على القضايا الداخلية والمجتمعية والدينية والإثنية. ومثلا ثمّة معسكر العلمانيين، الذي يضم قطاعات يسارية ويمينية وقومية، وثمة قطاع المتدينين الذي يضمّ قطاعات من اليمين والقوميين أيضا، ناهيك عن وجود جوزة صلبة للمعسكر الديني تتألف من حزبيْ شاس لليهود الشرقيين ويهوديت هاتوراه لليهود الغربيين، وكان حلّ الكنيست السابقة في أبريل 2019 تم على هذا الأساس.

 

ثالثا، مازالت إسرائيل تعاني من الانقسامات الإثنية، إذ عدا عن الانقسام التقليدي المعروف بين جمهور اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الأشكناز)، فقد بات ثمّة معسكر لليهود الروس، من القادمين الجدد (في التسعينات)، وهؤلاء لهم حزب كبير ونشط هو “إسرائيل بيتنا”، بزعامة ليبرمان، اليميني القومي العلماني، وهو بات يعدّ بمثابة بيضة القبان في تشكيل الحكومة الإسرائيلية، علما أنّ موقفه هو الذي أدّى إلى حل الكنيست السابقة والتي قبلها، في التوجّه نحو انتخابات جديدة. كما ثمّة العرب، أي الفلسطينيين من أهل البلد الأصليين، وهؤلاء يمثّلون خُمس سكان إسرائيل (20 بالمئة)، ولهم كتلة نيابية في الكنيست (للأحزاب العربية) تتألف من 12 نائبا في الانتخابات التي جرت، رغم المشكلات الداخلية.

 

رابعا، انحسار الأحزاب التقليدية ولاسيما حزب العمل (وريث حزب الماباي)، والذي أسهم في إقامة الدولة وترسيخ وجودها (1948-1977) في سلم الأحزاب الإسرائيلية، إذ حصل في الانتخابات الحالية والسابقة على ستة مقاعد فقد، في حين أنه حصل على 42 مقعدا عام 1992، لصالح أحزاب أو تجمّعات جديدة، كحزب أزرق أبيض مثلا. أما حزب ليكود فهو بات يواجه تحديا كبيرا للحفاظ على بقائه أو قوته، سواء بسبب طول الفترة التي تزعمه فيها بنيامين نتنياهو، أو بسبب نشوء حزب أزرق أبيض (حزب الجنرالات)، أو بحكم تحديه من أحزاب على يمينه، مثل حزب إسرائيل بيتنا، والبيت اليهودي اليميني القومي.

 

رابعا، تنافس في انتخابات الدورة 22 للكنيست 31 قائمة حزبية، على 120 مقعدا، وبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع 6394030 ناخبا، نسبة العرب منهم حوالي 16 بالمئة، رغم أن عددهم للسكان 20 بالمئة، والفارق يتعلّق بتركيبتهم العمرية، بينما بلغت نسبة التصويت 64 بالمئة، بأكثر من المرة الماضية بقليل، في حين بلغت نسبتها في الوسط العربي 53 بالمئة. وكانت النتيجة على النحو الآتي: ليكود، وأزرق ابيض 32 مقعدا لكلاهما، القائمة العربية المشتركة 12 مقعدا، حزب شاس للمتدينين الشرقيين و”إسرائيل بيتنا” لليهود الروس بزعامة لبيرمان 9 مقاعد لكل منهما. يهوديت هاتوراه للمتدينين الغربيين 8 مقاعد، وتحالف الأحزاب اليمينية المتشددة (يميناه) 7 مقاعد، تحالف حزبي “العمل-جيشر” 6 مقاعد، تحالف المعسكر الديمقراطي المكوّن من حزب ميرتس، وحزب أيهود باراك الجديد “إسرائيل ديمقراطية”، ونشطاء اجتماعيين 5 مقاعد.

 

خامسا، بناء على ما تقدّم يصعب التيقن من شكل الحكومة الإسرائيلية، على ضوء الفشل الذي أحاق بمحاولة نتنياهو السابقة، إثر الانتخابات التي جرت في أبريل الماضي، بالنظر إلى الانقسام بين حزبيْ ليكود وأزرق أبيض، وبسبب الخلافات الحزبية الداخلية، لكن نتنياهو يمتلك حظوظا أكثر من حزب أزرق أبيض، والأمر يتطلّب منه شد حزب إسرائيل بيتنا وزعيمه ليبرمان إلى جانبه، ما يعني أنه سيصبح أهم رئيس وزراء لإسرائيل، وصاحب أطول فترة في هذا المنصب، كما يستطيع نتنياهو الذهاب إلى حكومة وحدة وطنية مع قادة حزب أزرق أبيض، أيضا يمكن له أن يستعيض عن حزب إسرائيل بيتنا بإقامة تحالف مع حزب العمل (ليكود 32 – شاس 9 ـ يهوديت هاتوراه 8 ـ يميناه 7 ـ العمل 6 أي 26 مقعدا).

 

سادسا، بخصوص السيناريوهات التي تتعلّق بإزاحة نتنياهو، ثمّة السيناريو الأول الذي يتمثّل في أن حزب أزرق أبيض يستطيع ذلك فقط بمعية ليبرمان والقائمة العربية المشتركة 32 لأزرق أبيض، 6 العمل، 5 تحالف المعسكر الديمقراطي، 9 ليبرمان و12 للقائمة العربية. أي أن ذلك يحتاج إلى صوت القائمة العربية، علما أنه يمكن لهذا المعسكر أن يستعيض عن القائمة العربية بحزبي المتدينين لكن ذلك قد يصطدم بليبرمان.

الأهم من كلّ ذلك أنه على صعيد السياسة الخارجية والموقف من التسوية ومن الفلسطينيين، لا جديد في أي حكومة إسرائيلية قادمة في المدى المنظور، لا مع يمين متطرف ولا يمين معتدل، ولا مع وسط، ولا يسار وسط، لا مع قوميين ولا مع دينيين.