تواتر زيارات رؤساء الحكومات في لبنان إلى دول الخليج أملا في عودة المستثمرين إلى البلد الذي يتخبّط في ما جنته عليه سياسات حزب الله، وإنقاذ الوضع المالي المحرج.
 
يأمل لبنان المُثقل بديون مالية بعدما أقر الموازنة العامة الجمعة الماضي، في أن تتحسّن علاقاته ومبادلاته الاقتصادية بأصدقائه القدامى من الدول الخليجية لالتقاط الأنفاس قليلا قبل بداية الجدل السياسي بشأن موازنة عام 2020.
 
ويترقب المستثمرون معرفة ما إذا كانت دول الخليج العربي ستلقي بحبل نجاة قد يتيح للبنان فرصة لالتقاط الأنفاس، حيث يعاني البلد من واحد من أسوأ الديون العامة في العالم بعد سنوات منيت فيها موازنته بعجز كبير لأسباب ترجع إلى الإهدار والفساد وسياسة التوازنات الطائفية.
 
ولإنقاذ الوضع المالي المحرج، تواترت في السنوات الأخيرة زيارات رؤساء الحكومات إلى دول الخليج كالسعودية أملا في عودة المستثمرين إلى البلد الذي يتخبّط في ما جنته عليه سياسات حزب الله ذراع لبنان في المنطقة.
 
ويتصدر الرئيس اللبناني تمام سلام قائمة الشخصيات التي تقدّم تطمينات للفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين بأن السعوديين سيعودون لدعم الاقتصاد اللبناني، بعد الاعتراف بأن بلده هو بمثابة ضحية سياسات حزب الله وارتباطاته الإقليمية التي انعكست سلبا على لبنان.
 
وتحاول الحكومة الآن وضع المالية العامة على أرض أكثر قدرة على الاستمرار بموازنة ترمي إلى خفض العجز وبخطة لإصلاح قطاع الكهرباء الذي تديره الدولة ويستنزف المال العام.
 
وبعد سنوات من التدهور تزايد حافز الإصلاح بسبب توقف فعلي في تدفق الدولارات على البنوك اللبنانية من الخارج. وتأمل الحكومة أن تسهم موازنة الدولة التي أقرها مجلس النواب في دعم الثقة من خلال خفض العجز. وقد رحبت مجموعة دعم دولية للبنان تضم الدول المانحة بالموازنة ووصفتها بأنها “خطوة أولى ثمة حاجة ملحة لها” وحثت على المزيد من الإصلاحات.
 
غير أن كثيرين يشككون في قدرة الحكومة على الوفاء بأهدافها. ويقول صندوق النقد الدولي إنه من المرجح أن يتجاوز العجز في العام الحالي بكثير المستوى المستهدف البالغ 7.6 في المئة من الناتج القومي كما أن المانحين ما زالوا ينتظرون لمعرفة البنود المهمة التي سيجري تنفيذها في خطة الكهرباء.
 
وتشهد الاحتياطات الخارجية انخفاضا رغم أنها تظل كبيرة بالنسبة إلى حجم الاقتصاد. ودفع ذلك البنوك إلى بدء مسعى جديد لجذب الدولارات بعرض فائدة تبلغ 14 بالمئة سنويا للمودعين المستعدين لربط ودائعهم لمدة ثلاث سنوات.

وهذه الودائع هي أموال تودعها البنوك بدورها لدى مصرف لبنان المركزي مقابل عوائد أعلى. وتنعكس المخاطر اللبنانية على كلفة إعادة التأمين على الدين التي ارتفعت مرة أخرى إلى أعلى مستوياتها لأي حكومة في العالم بعد أن تراجعت لفترة قصيرة في أعقاب موافقة مجلس النواب على الموازنة يوم الجمعة الأمر الذي يشير إلى ارتفاع مخاطر العجز عن السداد.

وقال ياكوف أرنوبولين مدير المحافظ الأول لدى شركة بيمكو، إحدى أكبر الشركات العالمية في إدارة الأصول، “نعتقد أنه من المستبعد أن يتبدد فتور المستثمرين تجاه لبنان قريبا”.

وأضاف “رغم أن إقرار الميزانية الذي حدث بعد تأجيل كبير هو خطوة في الاتجاه الصحيح فما زال يتعين بذل الكثير قبل أن تصبح البلاد في مسار مستدام. فقد أفزع هروب الودائع المستثمرين الأجانب”.

وشهدت الودائع المصرفية، التي ظلت تنمو على أساس سنوي منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، تراجعا بنسبة 1.7 بالمئة تقريبا في الأشهر الخمسة الأولى من 2019.

أزمة متشعبة
تضمنت الموازنة بعض التدابير الصعبة على الصعيد السياسي مثل تجميد التعيينات في الدولة لمدة ثلاث سنوات وكذلك خفض أجور العاملين بالقطاع العام. ومن التدابير الرئيسية لخفض العجز زيادة الضريبة على الفوائد المدفوعة على الودائع المصرفية والسندات الحكومية ورسم استيراد جديد وخطة لخفض خدمة الدين رغم أنه لم يتضح كيف سيتحقق ذلك.

وقال سامي الجميل رئيس حزب الكتائب المسيحي “هي خطوات صغيرة في أزمة كبيرة. فنحن في وضع في غاية الصعوبة يحتاج إلى خطوات وإجراءات جذرية لم يتخذ أي منها”.

فيما أكد غسان حاصباني نائب رئيس الوزراء أن الموازنة خطوة جيدة لكنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب. وأضاف “أتوقع أن يتزايد الإحساس بإلحاح الوضع في الشهور القليلة المقبلة وأن يفضي إلى سلسلة من الأنشطة الإصلاحية الكبرى”.

ويأمل سعد الحريري أن تفتح هذه الإصلاحات الباب أمام تدفق حوالي 11 مليار دولار جرى التعهد بها في مؤتمر استضافته باريس العام الماضي من أجل تمويل الاستثمار.

وقال دبلوماسي غربي “نحن نعتقد أن هذه الموازنة بداية معقولة”، فيما قالت بعثة من صندوق النقد الدولي إن هذه “لحظة مهمة للبنان” وأن الموازنة وخطة إصلاح قطاع الكهرباء “خطوات أولى تلقى الترحيب على طريق طويل”.

وأشارت البعثة إلى أن تدفق الودائع توقف فعليا وأن احتياطيات المصرف المركزي الخارجية انخفضت حوالي ستة مليارات دولار منذ أوائل 2018 رغم استمرار عمليات البنك لدعمها.

 

عودة الداعمين
يأمل المستثمرون أن تعرض دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية دعما ماليا بعد أن التقى وفد من رؤساء وزراء سابقين للبنان مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.

وقال نجيب ميقاتي أحد رؤساء الوزراء السابقين إن الرياض ستمد يد الدعم. وقال السفير السعودي لدى لبنان إن الزيارة أذنت بمستقبل مبشر للعلاقات التي توترت مع تنامي نفوذ جماعة حزب الله الشيعية التي تدعمها إيران.

أما فاروق سوسة الخبير في اقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى جولدمان ساكس فقد قال إن الوضع المتدهور للسيولة في النقد الأجنبي بلبنان هو “الشدة الحقيقية في الأجل القريب”.

وأضاف “التحدي الحقيقي هو تنشيط تدفقات رأس المال سواء من المودعين أو من المستثمرين”. وتابع أن الدعم الخليجي “سيعزز ثقة المستثمرين بإرسال إشارة قوية (تفيد بـ) أن لبنان يمكنه الاعتماد على داعمين لديهم موارد كبيرة”.

وإضافة إلى الأزمة المالية تتركز الأنظار أيضا على دور المصرف المركزي. فقد قالت بعثة صندوق النقد إن المصرف المركزي حافظ ببراعة على الاستقرار المالي في ظروف صعبة لسنوات غير أن التحديات تزايدت.

ودعت البعثة إلى التحرك لزيادة مرونة القطاع المالي من خلال تقوية ميزانية المصرف المركزي وزيادة الاحتياطيات المالية للبنوك. وقالت إن على المصرف المركزي أن يعمل على التخلص تدريجيا من عملياته المالية والامتناع عن شراء السندات الحكومية.

وقال الاقتصادي توفيق كسبار الذي عمل مستشارا لصندوق النقد الدولي ووزير المالية اللبناني إن لبنان في أسوأ أوضاعه المالية على الإطلاق. وهو يقول إن النقاش في المسائل المالية صرف الأنظار عن عمليات “الهندسة المالية” التي ينفذها المصرف المركزي والتي وصفها بأنها “أهم مبعث خطر”.

وقال إن “المصرف المركزي يشتري الدولارات بسبب انخفاض الاحتياطيات. ومع ذلك فهذه ليست المشكلة في حد ذاتها. المشكلة هي أنه كان على مدى سنوات عديدة يدفع أسعار فائدة في غاية السخاء للبنوك.. وهذه علامات الخطر”. وكتب كسبار ورقة في 2017 قال فيها إن هذه السياسة تؤدي إلى “خسائر متزايدة” للمصرف المركزي الذي لم ينشر حساب الربح والخسارة منذ عام 2002.