إذا ما نظرت إلى ملايين الضحايا الذين قُتلوا وتهجروا وتهدمت منازلهم من جراء حزمة الأمراض الإيرانية هذه، فلسوف تدرك أنها أسوأ من الطاعون.
 

تتوفر الكثير جدا من التقنيات لمعرفة ما إذا كان الإنسان مريضا أم لا، حتى وإن لم تظهر عليه أعراض. ولكن لا توجد تقنيات لمعرفة ما إذا كان نظام سياسي مريضا.

خذ، على سبيل المثال، نظام الملالي في إيران. الكل يرى أنه نظام غريب الأطوار تماما. يتصرف تصرفات لا تنتظم مع السلوك السوي لأي دولة. ويقوم بأعمال ضارة لغيره، كما لنفسه أيضا. حتى لكأن البكتيريا المستشرية في جسده تنقل عدواها إلى الآخرين بمقدار ما تنهش من لحمه وعظامه هو.

لا أعرف ما هي نظائر الفحوص التي يمكن إجراؤها لمعرفة طبيعة المرض وعواقبه، ولكن مقدارا من “التفحص” قد يجعل الأمر سهلا.

 فهذا نظام أيديولوجي. وهو بمعنى آخر، أعمى البصر والبصيرة. الأيديولوجيا بطبيعتها إنما تعمل عمل النظارة التي تضفي على الأشياء لونها. وذلك ما يحول دون القدرة على النظر إلى تلك الأشياء على حقيقتها.

2ـ وهو نظام “ثوري”. والثورية اصطلاحا مأخوذة من أعمال الثور عندما يهيج. ولكنها في السياسة عمل من أعمال الهيجان حيال كل شيء يبدو مستقرا أو قاعدا على أسس. إنها نسف للأسس، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إرساء البدائل على أسس جديدة. فيبدو الهيجان وكأنه نوع من الهستيريا التي تجعل المرء غير مستقر كليا. والثورية تبدو مفيدة لحرق المراحل واختصار الطرق، ولكنها إذ تسير على طرق غير ممهدة عادة، فإنها غالبا ما تغرق في الحفر والمستنقعات والالتواءات التي تجعل من “الثورية” عملا بلا طائل، أو مجرد هيجان من أجل الهيجان نفسه.

3ـ إنه نظام ديني، أو يزعم أنه نظام ديني، قادر على حل المشاكل الدنيوية. وهذا شيء يشبه الذهاب إلى طبيب الأسنان عندما يصاب المرء بمغص في المعدة.

4ـ وهو النظام السياسي الوحيد الذي يجعل من “تصدير الثورة” التزاما دستوريا. وكأنه لا يكفي المرء أن يكون هو نفسه مريضا، فيتخذ لنفسه واجبا بنقل المرض إلى آخرين. ولو كانت “الثورة” قبل التصدير بضاعة صالحة في مجتمعها لكان الأمر “نص مصيبة”، ولكن ما بالك وأنها بضاعة لم تقدم للمجتمع الإيراني، حسب مختلف أوجه الإحصاءات، إلا الفقر والفساد والبطالة والمخدرات والدعارة والتخلف الاقتصادي.

5ـ إنه نظام دكتاتوري – ديمقراطي. إي أنه مثل البكتيريا التي تجمع بين وظيفتين، تؤدي فائدة وتلحق ضررا. فبينما يحكمه ويتحكم فيه كبير الملالي، فإنه لا يجد غضاضة في أن يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع لينتخبوا بكتيريات كانت قد مرت عبر مرشحات المؤسسة التي تدعى “تشخيص مصلحة النظام”. وهذا التشخيص أقرب إلى التشخيص الطبي المضاد. فما لم يكن المرء مصابا بلوثة ثورية، وهستيريا طائفية، ومستعدا لنشر العدوى، فإنه لا يكون مريضا بما يكفي لكي يحتل مكانه العضوي المناسب في نظام مهستر سياسيا ومهووس طائفيا ومضطرب نفسيا.

6ـ وهو نظام ميليشياوي يجعل من الدولة مجرد نظام شللي تتنازعه تصورات متضاربة ومصالح آنية، ويعتمد على ترتيبات طارئة لا علاقة لها بأي قيمة من قيم البناء المؤسسي. وهذا حال، لا يقتصر في ضرره على منع الدولة من أداء وظائفها المعتادة، ولكنه يجعلها جهازا مشلولا. وهو عمل يناظر ما يعمله مرض الإيدز عندما يدمر جهاز المناعة أو يمنعه من العمل.

7ـ كما أنه نظام حرارته مرتفعة وضغطه يعلو من دون سبب، ويبكي باستمرار حتى لكأنه مصاب باكتئاب شديد. وقد يخلع ملابسه ويضرب رأسه بالساطور، أو يسلخ جلده بسلاسل الحديد، فيشعر بالراحة النفسية. وهذا مزيج من الاكتئاب التقليدي والمازوشية التي لم يسبق لمجتمع أن عانى منها مثلما يعاني المجتمع الإيراني ومقلدوه من مجتمعات الاستخذاء الطائفي مع المرض.

ما أعرفه، هو أنه لا يوجد جهاز واحد يمكنه أن يفحص كل هذه الأمراض. حتى أجهزة التصوير المقطعي سوف تضطرب، فتقدم صورة مشوشة لعقل وجسد نهش فيهما المرض كما لم ينهش أحدا من قبل.

فإذا ما نظرت إلى ملايين الضحايا الذين قُتلوا وتهجروا وتهدمت منازلهم من جراء حزمة الأمراض الإيرانية هذه، فلسوف تدرك أنها أسوأ من الطاعون.