يشهد لبنان هذه الايام ازدياد وتيرة الاحداث والمشاكل التي تهدد السلم الاهلي والامن الداخلي ، سواء بسبب الصراعات والاحداث السياسية والامنية والاجتماعية والاقتصادية ، او بسبب انعكاس التطورات والصراعات الخارجية على الوضع اللبناني.
 
ورغم استمرار حالة الاستقرار بشكل عام في لبنان طيلة السنوات الماضية، فان الاحداث الامنية والسياسية ، اضافة للازمات المالية والاقتصادية والاجتماعية، قد ادت خلال الاسابيع الاخيرة الى انتشار التوترات الامنية في معظم المناطق اللبنانية، من طرابلس والشمال والاحداث المتنوعة، الى حادثة قبر شمون وتفاعلاتها المستمرة، وصولا للاشتباكات الدورية في مناطق البقاع الشمالي ، الى الاحداث المتنقلة في الضاحية الجنوبية وفي الجنوب ، اضافة لقطع الطرقات والتظاهرات لاسباب اقتصادية ومالية واجتماعية.
 
وفي مواجهة هذه التوترات والتحديات تنشط بعض مؤسسات المجتمع المدني والمجتمع الاهلي لنشر ثقافة السلم الاهلي والعمل لتخفيف التوترات الاجتماعية والدعوة للحوار ورفض خطاب العنف او استخدام الخطاب الديني في التحريض على العنف.
 
فما هي اسباب التوترات الامنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ وهل تنجح مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الاهلية في التخفيف من هذه التوترات؟
 
اسباب التوترات
 
لا يمكن حصر اسباب التوترات التي حصلت بموضوع محدد او لسبب واحد ، فهناك اسباب عديدة تؤدي لانتشار التوترات ، ومنها : الاوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة التي تؤدي لانتشار النزاعات والخلافات ، السياسية والصراعات على المواقع والمراكز وسعي كل طرف لاثبات حضوره وقوته وتراجع بعض الجهات الحزبية ومحاولة ملء الفراغ الحاصل باستعراض القوة،
 
قد تكون بعض الاوضاع الخارجية لها انعكاسات مباشرة على الوضع اللبناني الداخلي بسبب الصراعات في المنطقة واستمرار الازمة السورية وما خلّفته من انعكاسات على الوضع اللبناني، اضافة لانتشار الارهاب والتطرف والذي يعود لاسباب متعددة.
 
لكن يمكن اختصار السبب المركزي لانتشار التوترات , وهو ضعف الدولة المركزية وتراجع هيبة الدولة واجهزتها الامنية ومؤسساتها المركزية ، وكل ذلك يسمح للافراد والمجموعات باستخدام العنف واللجوء للشارع للتعبير عن مواقفهم او العمل لنشر التوترات المختلفة ردا على ما يتعرضون له من اهمال .
 
وبالخلاصة فان الوضع اللبناني يشهد اليوم تعاظم التوترات الامنية والسياسية والاجتماعية بما يجعل البعض يتخوف من عودة الحرب الاهلية وانتشار العنف على مدار واسع، رغم تأكيد جميع الاطراف السياسية الاساسية على رفض العودة للحرب الاهلية.
 
دور مؤسسات المجتمع المدني
 
في مواجهة هذه التوترات الامنية والسياسية والاجتماعية تنشط بعض مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الاهلية والدينية والثقافية لنشر ثقافة السلم الاهلي والدعوة لرفض اللجوء للعنف واعتماد الحوار والتواصل كبديل عن لغة العنف والرصاص.
 
ومن هذه المؤسسات والمجموعات: اللقاء التشاوري لملتقى الاديان والثقافات الذي يرأسه العلامة السيد علي فضل الله ، المنسقية العامة لشبكة الامان للسلم الاهلي , ويتابعها المنسق العام المحامي عمر زين، منتدى التنمية والثقافة والحوار ومجموعة حوار, ويديرها القس الدكتور رياض جرجور، مؤسسة اديان برئاسة الاب الدكتور فادي ضو، برنام التنمية التابع للامم المتحدة والذي يهتم باقامة برامج تعزز الحوار والسلم الاهلي، ملتقى الجمعيات الانسانية ويضم عددا من الجمعيات الاسلامية المتنوعة، المنتدى العالمي للاديان والمذاهب، المركز العربي للحوار برئاسة الشيخ عباس الجوهري ، وجمعية افروديت برئاسة الدكتور احمد الزين والمجمع الثقافي الجعفري برئاسة العلامة الشيخ محمد حسين الحاج، الى غير ذلك من المجموعات والهيئات الحوارية والاهلية اللبنانية او المؤسسات الدولية او الاجنبية الناشطة في لبنان والمنتشرة في كافة المناطق اللبنانية والتي لا يمكن حصرها في مقال واحد وتحتاج لدراسة مطولة.
 
وتنشط معظم هذه الهيئات والجمعيات والمؤسسات في اقامة المؤتمرات والندوات والورش والتدريب على الحوار والدعوة لرفض العنف واقامة دولة المواطنة او الدولة المدنية ، ودعوة علماء الدين والمؤسسات الدينية لنشر ثقافة الحوار والاعتراف بالاخر، ويمتد نشاط بعض المؤسسات الى خارج لبنان وخصوصا سوريا والعراق والاردن ومصر ، وتقام انشطة مشتركة تضم وجوها متنوعة من هذه الدولة.
 
ورغم نجاح هذه الجمعيات والمؤسسات في ضم المئات الى عضويتها واشراكهم في نشاطاتها، فان اي حدث امني او سياسي او خلاف فكري ومذهبي واجتماعي يتحول الى ازمة كبرى تهدد السلم الاهليوينتشر السلاح بين الناس وتسقط الضحايا والجرحى وتتعطل المؤسسات الدستورية ويدخل البلد في ازمة سياسية.
 
كل ذلك يجعلنا نحتاج للبحث المعمق في اسباب انتشار التوترات وقد يكون غياب الدولة القوية والعادلة وقيام دولة المواطنة الحقيقية وتراجع الانتماء الوطني لحساب الانتماء الطائفي والمذهبي والمناطقي والحزبي هو السبب الرئيسي وراء ما نعانيه ، ولذا فان المطلوب العمل لقيام هذه الدولة الحقيقية ومن خلال ذلك ننشر الامن والسلم ، وان كان ذلك لا يمنع من استمرار كل هذه الورش والانشطة لاننا بحاجةلنشر ثقافة الحوار والتواصل كبديل عن ثقافة العنف والتوتر ورفض الاخر.