بدا الرئيس السيسي مستعجلاً لتثبيت ولاية حكمٍ طويلة، فقام بتنظيم استفتاء في العشرين من نيسان الجاري عام ٢٠١٩، ممّا يسمح بتمديد ولايته لغاية العام ٢٠٣٠
 

أولاً: مصر والحقبة الناصرية والساداتيّة... كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر(قائد ثورة يوليو المصرية عام ١٩٥٢)، يمتلك بعض الهواجس "الديمقراطية" في ظلّ ثورة "الشعب" ومُناهضة القوى الاستعمارية، وطغيان كبار الرأسماليّين والملّاكين، إلاّ أنّ الرئيس عبدالناصر كان صريحاً في طلب وضع ملف الديمقراطية جانباً، أو على "الرّف" كما يُقال، وذلك للتّفرُّغ للمعارك الفاصلة مع الاستعمار البريطاني أولاً والصهيوني ثانياً، وللأسف الشديد، انتهى حكم الرئيس جمال عبد الناصر باكراً تحت وطأة كارثة حزيران عام ١٩٦٧ (هزيمة الجيوش العربية واحتلال سيناء)، ورحيله المفاجئ عام ١٩٧٠ ( إثر أزمة قلبية )، ليخلُفه الرئيس محمد أنور السادات، الذي كان يعتبر استلامه زمام الحكم فرصة ذهبية لفرض حُكم فردي استبدادي، مُرفقاً بكافة الإجراءات التعسفية بحقّ أهل الصحافة والاعلام، مُبدياً جرأة متمادية في انتهاك كافة الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، حتى سقط قتيلاً جرّاء عملية ارهابية خلال استعراضٍ عسكري.

 

ثانياً: حقبة الرئيس مبارك... خلف الرئيس محمد حسني مبارك الرئيس الراحل السادات، ليسود خلال فترة حكمه الطويلة(ثلاثة عقود) نظامٌ يمكن وصفه بالديمقراطية الاستبدادية، حيث نشهد عمليتين مُتناظرتين: الديمقراطية الانتخابية والاستبدادية الانتخابية، وذلك لاعتقاد مبارك وأركان حكمه بأنّ النظام "الديمقراطي" لا يمكن أن يقوم من دون انتخابات، إلاّ أنّ الثّابت  والمُسلّم به أنّ الانتخابات وحدها لا تكفي، فقد يظهر للعيان والمراقبين بأنّ النظام يُجري "انتخابات سليمة"، لكنّها تبقى عاجزة عن مأسسة الأبعاد الحيوية للديمقراطية الدستورية مثل: سيادة القانون والمُساءلة السياسية والنزاهة البيروقراطية والمداولات العلنيّة. 

اقرا ايضا : من يجرؤ على فتح ملف موازنات الرئاسات الثلاث؟

 

نحا نظام الرئيس مبارك نحو الاستبدادية المطلقة بحجزه مبدأ تداول السلطة، ومع تقدُّمه في السّن، عمد أركان النظام على التمهيد لتوريث ابنه "جمال" رئاسة الجمهورية، ممّا أفضى إلى احتقانٍ شعبي، وقيام انتفاضة جماهيرية تُوجت بثورة "٢٥ يناير ٢٠١١"، ثورة رفعت شعارات: حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، أطاحت بحكم الرئيس مبارك، إلاّ أنّها سرعان ما تعثّرت في خطواتها الأولى عندما انتزع الإخوان المسلمون الحكم بواسطة "الانتخابات" التي لا يُحسن استغلالها سوى أحزاب "استبدادية" والفوز بها.

 

ثالثاً: تعديلات الرئيس السيسي الدستورية... تمكّن الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي من الانقلاب على الرئيس "الإخواني" محمد مرسي أواسط العام ٢٠١٤، وتسلّم زمام الحكم، ليُعاد انتخابه عام ٢٠١٨ لمدة أربع سنوات، إلاّ أنّه بدأ مستعجلاً لتثبيت ولاية حكمٍ طويلة، فقام بتنظيم استفتاء في العشرين من نيسان الجاري عام ٢٠١٩، ممّا يسمح بتمديد ولايته الحالية لغاية العام ٢٠٢٤، أي بإضافة عامين على الولاية الحالية، ومن ثمّ السماح له بالتّرشّح لولاية ثالثة تمتد حتى العام ٢٠٣٠، ممّا يُؤذن بمرحلة حكمٍ استبدادي فردي تمتد لأكثر من عشر سنوات،  استبداد مُعزّز بالأساليب الاوتوقراطية، التي تهدف للابقاء على من يتولون الحكم في السلطة، وهذا لا يمكن تحقيقه وتعزيزه إلاّ بالمزيد من حالات القمع بالقوة، والتي غالباً ما تقترن بالعنف اللامبرّر، والخروج على الدستور والقانون الشرعيّين، ويتسبّب في نهاية المطاف بالفساد والارتهان للخارج،  مع المزيد من الاضطرابات السياسية والأمنية والإجتماعية والأخلاقية والدينية، ممّا يستوجب ثورة جديدة وضحايا جُدُد على مذبح الديمقراطية والحرية، كي يتقدّم، وللأسف الشديد، كما هي العادة في البلاد المتخلّفة، الانتهازيّون و"لصوص الثورات" ليسدّوا الفراغ، ويملأوا الفضاء شعاراتٍ  ثورية وديمقراطية غالباً ما تكون زائفة ومُخادعة وغير صالحة لزمنٍ مُشبعٍ بقيم الديمقراطية الحقيقية والحريات التي تُشيد أوطاناً سيّدة ومُستقلّة.