أن يترشح بوتفليقة لولاية خامسة، فإن الأمر على غرابته ليس مفاجئا في أبجديات الحكم في الجزائر. بيد أن الحدث يسلط مجهراً كبيراً على هوية نائب الرئيس المنتظر، ففي ملامحه قد يمكن قراءة الأعراض الأولى لمستقبل هذا البلد.
 

جرت في الأشهر الأخيرة مداولات كثيفة داخل الجزائر كما خارجها للبحث في مصير الرئاسة الجزائرية بعد انتهاء ولاية الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (81 عاماً). بدا أن عواصم كبرى، في مقدمها باريس وواشنطن وحتى موسكو، انشغلت في تفحص الاحتمالات البديلة على رأس السلطة في هذا البلد، ذلك أن استقرار الجزائر بات بنيويا في ارتباطه باستقرار شمال أفريقيا وحوض البحر المتوسط.

عرضت المداولات في قلب الجزائر العاصمة للخيارات المتاحة. وعرضت أجهزة المخابرات الدولية تقارير حول الوضع الداخلي عامة، وذلك المتعلق بالطبقة الحاكمة خاصة. وكان أن انتهى الضجيج خلف الغرف المغلقة إلى منح الجزائر وقتا إضافيا لإنتاج البديل، وهو وقت تحتاجه الجزائر، كما فرنسا والاتحاد الأوروبي، كما الولايات المتحدة في الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. فإذا ما كان مهاتير محمد (93 عاماً) في ماليزيا والباجي قائد السبسي (92 عاماً) نماذج رئاسية معمّرة حاضرة في العالم، فيبدو بوتفليقة في عرف رعاة ترشيحه في ريعان شبابه رغم مرضه الثقيل.

أن يسعى 186 مرشحاً حتى الآن للترشح للانتخابات الرئاسية فذلك ليس دليل جدية بل دليل ركاكة وصورية تلك الانتخابات. ولئن تزعم أحزاب وتيارات ووجوه المعارضة اندهاشها من قرار بوتفليقة الترشح لولاية خامسة، فإنها جميعا تعي بدقة أن الأمر لم يكن مفاجئا، وأن سياق الأمور قد أُعدّ بدقة، بحيث يصبح ترشح الرئيس حتميا لا بد منه. وإذا ما كان قرار ترشح بوتفليقة يساوي قرار فوزه في الانتخابات الرئاسية في أبريل المقبل، فإن أمر ذلك لا يُعد حلا لأزمة السلطة في البلاد، بل تأجيلا يقي البلاد صراعا موجعا داخل الدائرة التي تحكم باسم الرجل.

لا أحد يريد تفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري التي تنظم حالة إثبات شغور منصب رئيس الجمهورية بالمرض أو العجز. والظاهر أن الوضع الصحي للرئيس الجزائري وعجزه المرجح عن إصدار القرارات، بما في ذلك قرار ترشحه ربما، يتيح للسلطة الغامضة أن تستمر في إدارة أمور البلد وفق صيغة معقدة يصعب فك شيفرتها، ذلك أن غياب الشخصية البديلة يكشف العجز عن وثوق تلك السلطة ببديل يؤمن جانبه يوفر لها الديمومة والاستمرار.

والظاهر أيضاً أن خارطة طريق سرية، قد لا تكون عواصم أجنبية بعيدة عنها، قد أفرجت عما كان ضجيجا خلفيا وإشاعة رمادية، وأتاحت الجهر رسميا بنية الرئيس الحالي على أن يكون الرئيس المقبل لبلاده ممداً 20 عاماً من حكمه بعهدة خامسة.

تتحدث المعلومات أن العواصم، وخصوصا باريس، اشترطت لتغطية ترشح بوتفليقة دولياً إجراء تعديلات في دستور البلاد يسمح تعيين نائب للرئيس يحضر البلاد ويحضر هذا النائب لقيادة دفة الحكم في حال شغر المنصب الأول بداعي المرض أو الوفاة. وقد يكون ترشح بوتفليقة المعلن، على الرغم من سرياليته، خبرا جيدا، يطمئن الجزائريين، كما المعنيين في الإقليم والعالم بشأن الجزائر، باستمرارية، ولو صورية ورمزية، لرأس الحكم، على نحو يبعد شبح الفوضى والسيناريوهات السوداء التي تسربها حالة الغموض وغياب الشفافية التي تتسم بها إدارة البلاد.

لا يمكن فصل حاضر الجزائر عما يطلق عليه في الجزائر اسم “العشرية السوداء”. شهدت البلاد في تسعينات القرن الماضي حربا داخلية دموية عنوانها الرئيسي صراع بين السلطة والجماعات الإسلامية، فيما أن في خفايا تلك الحقبة جوانب غامضة تلمح إلى تورط أجهزة الأمن آنذاك بتسعير تلك الحرب وارتكاب بعض من مشاهدها الدموية.

ولئن انتهت تلك الحرب بالقضاء على الجماعات وشلّ حراكها، فإنه يسجل للرئيس بوتفليقة دوره السياسي في إرساء مصالحة داخلية هدّأت من توتر الجبهة الداخلية و”أنزلت السلاح من الجبال”. وفيما اشتعلت المنطقة العربية عام 2011 بما أطلق عليه “الربيع العربي”، فقامت البراكين المدمرة في سوريا وليبيا واليمن..إلخ، فإن الجزائر والجزائريين عرفوا تلك البراكين قبل ذلك دون أن يعترف العالم بمعركة البلاد ضد الإرهاب، ودون أن يكون للاحتراب الداخلي أي ظلال على المشهدين العربي والدولي العام.

وعلى هذا فإن درجات الاعتراض الداخلية في الجزائر بقيت متواضعة، بحيث وقف الشارع متفرجا أمام اندلاع ذلك “الربيع”، منذ تفجره على تخوم الجزائر، في تونس، في سيدي بوزيد. وعلى هذا أيضا بقي الجزائريون شديدي التوجس من أي حراك قد يهدد أمن البلاد على النحو الذي قد يعيد كوابيس التسعينات إلى حاضرهم. وعلى هذا أيضا وأيضاً يمكن فهم ركون العامة من الجزائريين إلى وصفة “الرئيس مدى الحياة”، تاركة لمنابر المعترضين التقليدية، والتي يقوم اعتراضها وفق ما هو مرسوم ومقبول ربما، أن تستنكر وتدين وتدعي الدهشة والانبهار. والظاهر أن معادلة ترك الأمور كما هي، هي كلمة السرّ التي انتهجها أهل الحكم في إدارة الشأن الداخلي والخارجي، والتي لم يقو الرأي العام المحلي على الدفع لتطويرها.

بدا ذلك الجمود واضحا في العلاقة التي تربط الجزائر بفرنسا. يعلم أي مشتغل على الحالة الجزائرية مدى النفوذ الذي ما زالت باريس، بعد عقود على استقلال الجزائر، تمتلكه داخل البلاد. تعرف فرنسا، التي عالجت مستشفياتها الرئيس الجزائري، وضع بوتفليقة الصحي بدقة. وتعرف مؤسساتها الدبلوماسية والأمنية خارطة الدائرة الحاكمة في الجزائر. حتى أن قرار ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة جرى، وفق ما يتسرب من معلومات، بالتنسيق مع باريس وأولي الأمر بها. ومع ذلك فإن الجمود ما زال يعتري علاقة الجزائر بفرنسا لجهة مقاربة البلدين المختلفة لفترة الاحتلال الفرنسي وحرب التحرير التي خاضتها جبهة التحرير الوطني. وبغض النظر عن الروايات التاريخية المتعارضة، إلا أن الحكم في الجزائر ما زال يغرف من زاد التاريخ للامساك بشرعية حكم للحزب الحاكم والرئيس الحاكم.

الجمود أيضا يكمن في تلك العلاقة المفخخة التي تربط الجزائر بالمغرب. يستدعي النظام الجزائري “حرب الرمال” (أكتوبر 1963) كقاعدة عقائدية تؤسس لطبيعة التوتر الذي يراد له أن يكون بنيويا دائما، بين البلدين. وعلى أساس تلك القاعدة تتوالى ملفات النزاع التي تفسر إغلاق الحدود البرية ودوام الحملات المتبادلة التي تثور وتخبو وفق أجندة الحكم في الجزائر. والمسألة هنا لا تتعلق بمسؤولية المغرب أو الجزائر عن أصل هذا الخلاف ولبّ ذلك النزاع، بل ترتبط بعجز الجزائر عن الوثوب نحو الصلح وفتح الحدود وتطبيع كامل للعلاقات، على الرغم من تكرار المغرب، وعلى لسان الملك محمد السادس، طلب إنهاء الخلاف، لما للأمر من مصلحة للبلدين، كما لكل المغرب العربي.

وإذا ما ارتأت الدول الكبرى عدم التأثير على جدل إنتاج السلطة في الجزائر، فذلك أن العالم يدعم تجنيب الجزائر أي تطورات غير محسوبة.

راقبت العواصم تمكن بوتفليقة، أو الدائرة الحاكمة، من الإطاحة بجنرالات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية لطالما اعتبرت “آلهة” داخل النظام السياسي الذي حكم البلاد منذ عام 1962. بدا أن مواكبة دولية كانت تجري عن بعد سهّلت للرئيس هذا المسعى. كانت العواصم تدفع باتجاه تطوير من داخل السلطة نفسها يقدم للعالم طاقما آخر بإمكانه مجاراة شروط المشهد الدولي. وكان خبراء الشأن الجزائري يراقبون بدهشة سقوط الرؤوس الكبرى برشاقة وحذق دون أي ممانعة تذكر من قبل مؤسسات لطالما أنتجت السلطة وصنعت الرؤساء في الجزائر. فإذا ما استكانت مراكز القوى التقليدية الكبرى في البلاد لإرادة هذا الرئيس، فإن رعاية العواصم الكبرى لولاية خامسة لبوتفليقة قد يكون سببها أن للرئيس (وظلاله) مهام لم تنجز، وأن ما يحاك للبلاد يحتاج “إنعاشاً اصطناعيا” لبوتفليقة حتى إشعار آخر.

فاز بوتفليقة في انتخابات عام 2014 بنسبة 81 بالمئة من عدد الناخبين دون أن يظهر في الحملة الانتخابية. فأن يترشح لولاية خامسة، فإن الأمر على غرابته ليس مفاجئا في أبجديات الحكم في الجزائر. بيد أن الحدث يسلط مجهراً كبيراً على هوية نائب الرئيس المنتظر، ففي ملامحه قد يمكن قراءة الأعراض الأولى لمستقبل هذا البلد.