قلّل المراقبون من أهمية ما أعلنه الرئيس المكلف سعد الحريري بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون أمس الأول، من انهما «مصممان» على تشكيل الحكومة في «أسرع ما يمكن» لأنّ «البلاد لا تستطيع ان تكمل من دونها». وتوقفوا عند تَمنّيه على بقية اللبنانيين «التواضع قليلاً» لتسهيل المهمة، فرأوا انه كان في محله. وعليه طرح السؤال: هل يكفي ان يصمّم عون والحريري حتى تولد الحكومة؟
 

من نافل القول وبلا أي جدل، وقياساً على مسلسل التجارب السابقة انّ موضوع تشكيل الحكومة الذي أناطه الدستور بالرئيس المكلف استناداً الى الإستشارات النيابية الملزمة التي أجراها رئيس الجمهورية وبالتنسيق والتعاون معه بقي حبراً على ورق، على رغم المنازلات الدستورية التي أجراها بعض القريبين من قصر بعبدا و»بيت الوسط» توضيحاً أو دفاعاً عن الصلاحيات التي تبين أنّ جزءاً كبيراً منها بات في موقع آخر.

فليس في قدرة أحد أن ينفي أو يوقف الجدل حول من تدخّل في عملية التأليف من غير ذي صفة دستورية. فقد تدخّل كثيرون سواء بتكليف من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف كما فعل رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل اكثر من مرة ومن خلال الدور الذي أداه «المعاون السياسي» للحريري وزير الثقافة غطاس خوري. أو بحكم الأمر الواقع الذي أعطى «حزب الله» حق «الفيتو» الذي مارسه علناً وبلا قفازات في 29 تشرين الأول عندما رفض إعطاء أسماء وزرائه الثلاثة الى الرئيس المكلف، فتعطّلت آلية التأليف وجمدت في انتظار تلبية مطالب مجموعة النواب من «سنة 8 آذار». 

لكن ما حملته الساعات الأولى من السنة الجديدة من مواقف ألقت الضوء مجدداً على دور كل من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف في عملية التأليف وقصورهما عن إتمام المهمة لأسباب متعددة، ليس أقلها ما قاله عون على منصة بكركي عندما تحدث عن أعراف وتقاليد جديدة يحاول البعض فرضها.

وكذلك عندما أكد الحريري أنه مصمم ومعه رئيس الجمهورية على تأليف الحكومة في أسرع وقت ممكن، رابطاً إكمال المهمة بدعوة الأطراف الأخرى الى التواضع ولو قليلاً من اجل تسهيل التأليف.

عند هذه المعطيات، لم يتوافر لمراقبي مساعي التأليف اي جديد. فكل المساعي التي يبذلها سُعاة الخير من خلف الكواليس السياسية والأمنية والحزبية، وفي مقدمهم المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، ما زالت قاصرة عن ترميم العلاقة بين بعبدا والضاحية الجنوبية. وعلى رغم وجود عدد لا بأس به من الأفكار القديمة والجديدة المتبادلة لم تتوافر بعد القاعدة الصلبة التي يمكن من خلالها الإنطلاق مجدداً سعياً الى تشكيلة حكومية جديدة.

ولذلك، ومهما قيل فإنّ مروحة الإتصالات لم تؤد بعد الى حسم أي من الخطوات الدستورية الواجب اعتمادها من أجل التأليف. وعلى رغم بعض التسريبات التي قالت انّ الإتصالات الأولية أقفلت ابواب التلاعب ببعض الحقائب، والتي كانت من أسباب تعثّر المحاولة الأخيرة، فإنّ ذلك ليس ثابتاً بعد. وانّ العودة الى اتهام رئيس الجمهورية للبعض بمحاولة فرض اعراف جديدة، دفعت هذا البعض وغيره الى التنصّل من هذا الإتهام وردّه له في اعتبار انّ معظم ما يمكن إدراجه على لائحة الأعراف كان قد مارسها رئيس الجمهورية وفريقه قبل ان يصل الى قصر بعبدا. فهو اوّل من أصرّ على تسمية وزرائه، وهو من أصرّ على توزيع الحقائب عليهم عام 2009 وكان الحريري من ضحايا تلك التشكيلة قبل ان يُتَّهَم بالتهمة عينها عندما يصرّ على بعض الحقائب وكأنها حق مكتسب لفريقه، فتساوى الجميع أمام تهمة خرق الدستور وممارسة ما يمكن تسميته أعرافاً وتقاليد باتت تتجاوز الدستور في اكثر من محطة وملف ومناسبة.

على هذه الخلفيات، يظهر واضحاً انّ هناك نية لتشكيل الحكومة وهو أمر من بديهيات اهل الحكم ومسؤوليتهم، لكنّ الإصرار على تبادل الإتهام ما زال مستمراً ويعطّل كثيراً من الأفكار المطروحة للخروج من المأزق. ويقول العارفون ان ليس هناك افكاراً لم تجرّب قبلاً. فمن بين ما هو مطروح من مخارج جُرِّب سابقاً ولم ينته الى النتيجة المرجوة، لكنّ الرهان يبنى اليوم على وعي الأكثرية الى مزيد من المخاطر الأمنية والإقتصادية المُحدقة بالبلاد. 

ومن هذه البوابة بالذات ينفي المطلعون على مجريات الأحداث في المنطقة انّ إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنهاء عملية «درع الشمال» رغم إصرار الجيش على العكس، وإعلانه انّ ايران أقفلت مصانع الصواريخ في لبنان قد خففا من مخاطر اي اعتداء اسرائيلي. فالتقارير الإستخبارية التي تحدثت عن ضغوط روسية واميركية لتجنيب لبنان اي خضّة، تُنبىء باحتمال وقوع الإعتداء في اي لحظة، فكل ما تقوم به اسرائيل في سوريا وغزة والضفة لن يوفر لنتنياهو اي دعم في التحضيرات للإنتخابات المقبلة او تجاوز الإتهامات المرتقب توجيهها اليه في قضايا الفساد. فالساحة اللبنانية وحدها هي من توفّر له الدعم المطلوب. وانّ اي ضربة في جنوب لبنان او اي منطقة أخرى يمكن ان تبقي حزبه في مقدمة المتنافسين على الأكثرية النيابية في الإنتخابات المقبلة. 

وتسخر مراجع حكومية من ربط التشكيلة الوزارية بالقمة الإقتصادية المزمع عقدها في لبنان في 19 من الشهر الجاري، فكل السفارات العربية المهتمة بالتحضيرات الجارية لهذه القمة لم تتلّمس أي فوارق في التعاطي معها في وجود حكومة أصيلة او حكومة تصريف أعمال، وانّ ربط هذه التشكيلة بهذا الموعد «هو من أضعف الرهانات وأسخفها».