بإجماع كل مَن تعرّف عليه وعمل معه، من الصعب أن ترى ديبلوماسياً أممياً صادقاً يشبه موفد الأمم المتحدة الى سوريا ستيفان دوميستورا الذي أقرّ قبل مغادرة مركزه بالفشل الذي مُنيت به مهمته لتوليد الدستور السوري الجديد أو التأسيس له. لكنّ السؤال المطروح هل إنّ الفشل الذي تبنّاه دوميستورا هو فشلٌ شخصي أم فشلٌ لكل المنظومة الدولية؟ ومَن هو الفائز في ميزان الربح والخسارة؟
 

تتكدّس التقارير المحفوظة في أدراج الأمم المتحدة التي تقيم الديبلوماسيين الأممين والموظفين الكبار الذين أوكلت اليهم مهمات عادية أو صعبة وخطيرة في كثير من مواقع الأزمات في العالم. ففي مثل هذه التقارير كثير من الفضائح التي ارتُكبت لأسباب مختلفة تتناول حياة الأشخاص من مختلف النواحي المادية والمعنوية والسياسية. وكل ذلك يُحصى في مقابل تقارير معاكسة تتحدث عن مزايا كثير من الذين ابرزوا تفوّقهم في حياتهم الديبلوماسية والمدنية والأخلاقية والإنسانية.

وإن دخل المراقبون في كثير من التفاصيل والأمثلة لا يخفى على احد حجم الإتهامات التي سيقت بحق الذين قادوا المساعي الإنسانية والسياسية في كثير من الدول. ولا يفوت هؤلاء أنّ هناك تقارير أخرى تفخر بشكلها ومضمونها برامج الأمم المتحدة. وعلى سبيل المثال لا الحصر يتذكّر الديبلوماسيون حجم المخالفات التي ارتُكبت اثناء تطبيق برنامج «النفط مقابل الغذاء» لعقد ونصف من الزمن في العراق والتهم الكبيرة التي طاولت الموظفين الأممين الكبار فيما تتحدث أخرى عن نجاح آخرين أدّوا مهمات انسانية وديبلوماسية في عدد من الأزمات الدولية كتلك التي نُفّذت في اوروبا الشرقية وليبيا وبعض الدول الأفريقية.

وبعيدا من هذا المنطق وهذه الآلية والأمثلة الصارخة التي تتحدث عن التجربتين الإيجابية والسلبية يُذكر انّ دوميستورا سجّل اكثر من علامة تقدير في سجلّه السياسي والديبلوماسي. ولإثبات هذه المزايا هناك عدد من الأمثلة التي تساق. فالجميع يتذكر انه ورث مهمات صعبة جداً عجز عن إتمامها الموفد الأول لجامعة الدول العربية الى سوريا الفريق محمد أحمد مصطفى الدابي ومن بعده الموفد الأممي والعربي الديبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي وصولاً الى الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي انان، الذين لم يفلحوا في الإقلاع بأقلّ ما يمكن تحقيقه من المهمات الكبرى التي أُلقيت على عاتقهم.

ولهذه القراءة الديبلوماسية والسياسية التي تمتدّ على مدى السنوات الأربع الأولى من عمر الأزمة السورية ما يعزّزها. فالموفد السوداني لم يتحمّل ثقل النتائج التي ترتّبت على حجم العمليات العسكرية التي شهدتها سوريا والتي شكلت عائقاً أمام أيِّ مهمة يمكن أيّ موفد عربي أن يقوم بها. فلا يكفي انفجار الوضع الأمني في المدن السورية الكبرى لتعقيد المهمة التي أوكلت اليه، فقد تفكّك العالم العربي وانفجرت أزمات في بلدان أخرى قبل ان تندمل تلك التي انفجرت في تونس ومصر وقبل ان تنفجر الأزمة الليبية، ولم يتمكّن من توفير اجماع عربي حول أي فكرة او اقتراح تمّ التوصل اليه في ظلّ النزاع السعودي ـ الإيراني وانعكاسه على احداث اليمن وسوريا والبحرين.

ومع وصول الأخضر الإبراهيمي الى المهمة عينها كانت الأزمات العربية قد بلغت الذروة ولم تنجح ايُّ وساطة عربية في إخراج ايّ دولة من براثنها. فكانت تفاعلات الأزمة المصرية في أوجها على اعتاب الإنقسام الذي شهده السودان بين الجنوب والشمال، ولم تكن تونس قد شهدت الإنتعاش السياسي الذي انتقلت اليه، وانفجرت الأزمة الليبية وبلغت الذروة فانهمكت بإدارة أزمتها مصر والجزائر والمغرب عدا عن الدول العربية ومعها المجموعة الإفريقية. وبوصول كوفي انان كانت المعارك في سوريا قد بلغت أشدّها، ويروى أنه كتب تقريراً يوماً يتحدث فيه عن اكثر من 75 جبهة مشتعلة في وقت واحد على مختلف الأراضي السورية فـ«رفع العشرة» وترك المهمة لدوميستورا.

ويقول ديبلوماسيون متابعون للملف السوري إنّ دوميستورا الذي خطط لعملية سياسية متوازنة نجح الى حدٍّ بعيد في المواءمة بين مسار جنيف ومسار أستانة، فوصوله الى دمشق تزامن والعصر الروسي فيها. فكانت القوات الروسية بأسلحتها الخارقة تغيّر خريطة المحاور والجبهات بين اسبوع وآخر فقاد العملية السياسية بين الألغام. ويروي أنه لاحظ بدقة متناهية تقدّم محور أستانة بفعل التفاهم الروسي ـ الإيراني والتركي على محور جنيف والحلف الدولي الى أن وصلت الأمور الى منطقة اللاعودة فانفجرت الخلافات الدولية وانعكست على مهمته مزيداً من التعقيدات.

ابرز ما حلم به دوميستورا التوصل الى تشكيل اللجنة الدستورية. فتبنّى الطرح الروسي بالنسخة السياسية من الدستور السوري الجديد التي حملتها موسكو الى الأمم المتحدة لتنقيحها. وعمل دوميستورا جدّياً خلال الأشهر التسعة الماضية على تشكيل اللجنة التي تقرّر أن يكون أعضاؤها من فريقي النظام والمعارضة. ولما بدأ النظام باستعادة سيطرته على بعض المناطق الحيوية والمدن تراجع عن كثير من تعهداته السابقة في شأن الدستور الى أن اعتبر في المرحلة الأخيرة انّ الدستور مسألة سيادية ولم يُعر الأهمية اللازمة للجهود الروسية التي بُذلت لهذه الغاية ففرض مزيداً من الشروط على دوميستورا، ولم يجد صعوبة في استغلال نقاط الضعف التي طاولت دور الأمم المتحدة في ظل النزاعات الكبرى بين موسكو وواشنطن من جهة، وما بين الأخيرة وانقرة وطهران من جهة أخرى، الى أن نجح في تطيير عملية التأليف التي شهدها دوميستورا في الأسابيع الأخيرة من مهمته بعدما عزم على ترك مهمته نهاية السنة الجارية.

وامام هذه الصورة المأسوية تعتبر مراجع ديبلوماسية انّ إعلان دوميستورا الفشل في مهمته لا يمسّه شخصياً بمقدار ما يمسّ دور الأمم المتحدة في سوريا، فهي مكبّلة اليدين بين نظام لا يقدّر دورها ولا يريده البتة وبين واشنطن وموسكو وطهران وانقرة والرياض حيث تعددت الروايات والسيناريوهات حول مستقبل سوريا فضاعت كل المساعي الدستورية طالما أنّ الحلّ السياسي ما زال بعيداً.