يعتقد كثيرون أنّ الدكتور سمير جعجع لن يكرّر بعد اليوم تجربة التحالف مع «التيّار الوطني الحرّ» في الانتخابات الرئاسية، وأنّه ندم على ترشيحه العماد ميشال عون. ويرى هؤلاء، إستطراداً، أنّ جعجع بات أقلّ خوفاً من وصول رئيس تيّار «المردة» سليمان فرنجية إلى موقع الرئاسة. ولذلك، يقول هؤلاء: سيكون الإتفاق المرتقب بين جعجع وفرنجية بمثابة انقلاب غير محسوب في الخريطة السياسية المسيحية، وستكون نتائجه حاسمة على المستوى اللبناني عموماً.
 

عندما أعلن الحريري، ومعه قوى أخرى أساسية، تبنّي ترشيح فرنجية، خاف جعجع من عواقب هذا الخيار. فبين جعجع وفرنجية ما هو أكبر من الخصومة السياسية العادية: ماضٍ مليء بالوجع، وتباعدٌ شاسع في «الخط السياسي» إلى حدّ العداء.

ثمة من قال لجعجع آنذاك: مخاوفكم ليست في محلّها تماماً، وأنتم تبالغون فيها. فسليمان فرنجية الرئيس مضطر إلى التعاطي إيجاباً مع «القوات». ورأى البعض أن جعجع ربما يكون الزعيم المسيحي المدلّل في عهد فرنجية. لماذا؟ لم يكن العماد عون سيغفر لفرنجية انتصاره عليه في السباق إلى الرئاسة.

وهكذا، ستبقى «القوات اللبنانية» هي الفريق الوحيد القادر على توفير تغطية مسيحية حقيقية للعهد. ولذلك، سيكون على فرنجية أن يحتضن جعجع ويقوّيه ليتمكّن من إقامة التوازن مع عون.

لكنّ جعجع لم يكن مطمئناً إلى اختيار فرنجية وبقي خائفاً من عواقبه. وأقنعه البعض باعتماد نموذج الثنائية، بين القوتين المسيحيتين الأوسع انتشاراً، على غرار الثنائية الشيعية. واعتقد أنّ هذا الخيار سيمنحه أن يكون موازياً في القوة لـ»التيّار» داخل مؤسسات الدولة وعلى المستوى التمثيلي، وتالياً أن يصبح هو الخيار المقبل في موقع رئاسة الجمهورية، بعد عون.

ثمة مَن يعتقد اليوم أنّ اختيار جعجع لم يكن صائباً. لكن السؤال الذي يُفترض طرحه أولاً هو: إلى أي حدّ كان تأثير الموقف «القواتي» تقريرياً في انتخاب الرئيس عون؟ فمن غير المنطقي الإعتقاد أنّ دعم «القوات» لعون ساهم في إيصاله إلى رئاسة الجمهورية. فقبل إعلان جعجع موقفه، كان عون قد حظي بدعم «حزب الله» أولاً والرئيس سعد الحريري ثانياً. وهكذا، فإن دعم «القوات» لعون لم يوصله إلى بعبدا، بل وفّر له تغطية مسيحية يحتاج إليها.

سُئل جعجع يومذاك: لماذا تفضّل عون على فرنجية؟ فأجاب انّ الثاني «سوري أصلي»، فيما الأول «سوري تَقليد». ولكن، ربما اكتشف جعجع اليوم أنّ «التقليد» ليس أفضل من «الأصلي» في الملف السوري. فما الذي كان فرنجية سيفعله، في هذا الملف، أكثر مما يفعله عون اليوم وسيفعله لاحقاً؟ لذلك، وبعد التجربة المريرة مع عون، بات جعجع مقتنعاً بإيجابيات الانفتاح على فرنجية وأقلّ خوفاً من تداعياته السياسية. وفي أي حال، سيكون جعجع أكثر دقّة في تحديد أطر العلاقة بينه وبين فرنجية، تجنباً لتكرار الثغرات الحاصلة في الاتفاق مع «التيّار».

ووفق الرؤية «القواتية»، يرغب جعجع في تطبيع حقيقي للعلاقة مع فرنجية، لا يمارس فيه أي من الطرفين لعبة التذاكي على الآخر، ولا يستقوي عليه لمجرّد وصوله إلى موقع الرئاسة، ولا يلجأ إلى التفسيرات غير المنطقية لتبرير مخالفته بنود الإتفاق، كما يحصل اليوم مع «التيّار».

وفي اختصار، جعجع تعلّم الدرس من المصير الذي بلغه «إتفاق معراب». ولكن، في المقابل، ما الذي يراهن فرنجية على تحقيقه من خلال الاتفاق؟ المتابعون يقولون إنّ اتفاق جعجع مع فرنجية ستكون قابليته للتنفيذ أكبر بكثير من قابلية «إتفاق معراب». وإذا أعلنت «القوات اللبنانية» دعمها فرنجية، فإنها ستكون قادرة على المشاركة فعلاً في إيصاله إلى موقع الرئاسة، وليس فقط منحه التغطية المسيحية التي يحتاج إليها.

ففي تقدير المتابعين أنّ «حزب الله» مضطر هذه المرّة إلى مراضاة فرنجية، حليفه في الخط الاستراتيجي. فهو وفى بوعده لعون في العام 2016، على أساس أنّ «أمام فرنجية متسعاً من الوقت». وبعد انتهاء ولاية عون، سيكون «الحزب» مضطراً معنوياً إلى الوفاء بوعده بدعم فرنجية.

وفي ظل التوتر والسجالات القائمة بين «التيّار» والعديد من القوى السياسية، قد يحظى فرنجية بدعم واسع: في الوسط الشيعي سيفضّل الرئيس نبيه بري ترشيحه. وكذلك رئيس التقدمي وليد جنبلاط والحريري والعديد من قوى 8 آذار. وإذا كان «حزب الله» يمنحه الدعم أيضاً، فيعني ذلك أنّ فرنجية قادر على توفير الغالبية التي تسمح له ببلوغ الرئاسة، في الاستحقاق المقبل.

ويعتقد كثيرون أنّ رئيس الجمهورية المقبل سيكون من 8 آذار أيضاً، انطلاقاً من القاعدة التي تمّ اعتمادها في 2016: إذا كان رئيس الحكومة من تيّار «المستقبل» (14 آذار)، فمن المنطقي أن يكون رئيس الجمهورية من 8 آذار، على سبيل التوازن.

ولذلك، يتقدّم «التيّار» خطوات متسارعة نحو محور طهران- دمشق. وهذا ما يريح تماماً «حزب الله»، من زاوية استراتيجية. لكن لحظة الرئاسة المقبلة ربما تكون محكومة باعتبارات أخرى: فرنجية أساسي وأصيل في هذا المحور، وقد حظي بتغطية مسيحية وازنة («القوات» وسواها)، ولم يعد جائزاً القول إنّه لا يمثّل المسيحيين، كما قيل في العام 2016.

لهذه الأسباب، سيكون اتفاق جعجع- فرنجية مهماً جداً في إقامة التوازن السياسي المسيحي، وسيكون ذا طابع تقريري في موضوع الرئاسة. وإذا كان عون يريد من «القوات» توسيع التغطية المسيحية فقط، فإنّ التغطية التي يحتاج إليها فرنجية ترتدي طابعاً حاسماً، في السياسة... وفي الرئاسة، إذا لم تتغيّر المعادلات القائمة جذرياً.

أوساط «القوات» و«المردة» متفائلة، وتقول: قد يكون القطبان الشماليان على طرفي خصومة تقليدية، بين زعامة بشرّاوية وأخرى زغرتاوية، لكنّ وادي قنوبين قادر على أن يجمع المتخاصمين.