لم يكن الجميل مُؤمناً، أو ليؤمن، بخيارات دُعاة الوحدة العربية، والتي نحمد الله اليوم صُبح مساء أنّها لم تقُم ولن تقوم حتى قيام الساعة
 

أولاً: بشير في خضمّ الحرب الأهلية ومواجهة المقاومة الفلسطينية...

من الطبيعي أن يستحضر البعض صورة سوداوية لقائد القوات اللبنانية الشهيد الرئيس بشير الجميل، لاعتماده أولاً على الإسرائيليّين في مناهضة الوجود الفلسطيني المُسلّح المتحالف مع تيار الحركة الوطنية (بزعامة الشيوعيين)، وباعتباره ثانياً أحد أبرز وجوه الحرب الأهلية اللبنانية المقيتة، والتي لم يسلم من "آثامها" و"مآسيها" و"مجازرها" قائدٌ "وطني" أو "انعزالي" أو "عروبي" أو "أُممي" أو "طائفي"، وهلمّ جرّا.

إلاّ أنّه من الطبيعي والواجب الوطني والأمانة العلمية والأخلاقية أن يلجأ البعض (ونحن منهم) إلى إعادة قراءة مُنصفة لمسيرة الشيخ بشير الجميل النضالية الحامية بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، (أو كادت)، ودخل الرّجل باكراً في ذمّة التاريخ إثر جريمة مُروّعة وكان قد انتُخب رئيساً للبلاد ولم يتمكّن من استلام موقعه، فبشير الجميل انتفض على الفلتان الفلسطيني المسلّح في طول البلاد وعرضها، وكان مُؤمناً (وهذا حقّه) بأنّ اللبنانيين (وفي مقدمهم المسيحيين) لا يملكون سوى هذه الرُّقعة الضّيقة من الأرض المسماة لبنان، وأنّ الحفاظ على هذا الكيان ونظامه هو واجب وطني مُقدّس، لم يكن الجميل مُؤمناً، أو ليؤمن، بخيارات دُعاة الوحدة العربية، والتي نحمد الله اليوم صُبح مساء أنّها لم تقُم ولن تقوم حتى قيام الساعة، ولم يكن مؤمناً (وهذا حقّه وربما كان مُحقّاً) أنّ المقاومة الفلسطينية في لبنان بقيادة ياسر عرفات هي رافعة النّهوض العربي بعد هزيمة العرب عام 67 كما ذهب إلى ذلك بعض القياديّين التّقدّميّين، لقد رأى الجميل أنّ المقاومة الفلسطينية باتت عبئاً خطراً على الكيان والنظام اللبنانيين، وأنّها إن استمرّ وجودها فلن يجني لبنان منها سوى الخراب وضياع هويّته، ولن يعود على الفلسطينيّين إلاّ بالهلاك، وعندما دخل نظام الرئيس حافظ الأسد إلى لبنان بغطاء أميركي وإسرائيلي واحتلّ أجزاء واسعة منه، استشعر الجميل مخاطر العامل السوري المُتفاعل (سلباً وإيجاباً) مع العامل الفلسطيني، فناصبهما العداء، ورفع شعارات تحرير لبنان من هذين العاملين بالمقاومة المسلّحة ليعود البلد سيّداً حُرّاً ومستقلاً بكيانه الذي لا ينقص شبراً ولا فتراً، ولم يكن شعار ال10452 كلم مربع شعاراً فارغاً كما سيتّضح فيما بعد.

ثانياً: بشير الجميل الثائر الإصلاحي

أكثر ما يلفت المتابعين والحريصين على سلامة الكيان اللبناني وصون نظامه الديمقراطي النّفس الإصلاحي العظيم الذي تجلّى في خطابات الجميل بعد انتخابه رئيساً، وإذ يعُمّ الفساد البلد هذه الأيام ويفتُكُ في بنيانه، لا تطيب سوى العودة لما كان يحلم به الجميل من قضاءٍ على دولة المزرعة وبناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية وحفظ المال العام، والنّأيُ بالنفس عن الصراعات والخلافات العربية والإقليمية، ولعلّ ما تحملُه قيادة القوات الحالية من بعض طموحات بشير في منع الهيمنة الخارجية على لبنان، سواء كانت عربية أو إيرانية أو تركية، أو روسية أو أميركية أو إسرائيلية، لخير دليلٍ على صوابية فكر ونهج المُؤسّس، وما تصدّي القيادة الحالية لنهج الفساد الذي يعتمده العهد العوني مُمثّلاً بالصهر وزير الخارجية، لخير دليلٍ إضافيٍّ على عظمة السّلف وعزيمة الخلف في حمل لواء لبنان سيّد حُرّ ومستقل، مُعافى من التّدخلات الخارجية، ضارباً بيدٍ من حديد على ظهور الفاسدين والمرتشين واللّصوص وناهبي المال العام.