إن التأخير الحاصل في تشكيل الحكومة في بعض أسبابه هو تأخير داخلي ربما يكون مبررا على قاعدة التوزيع الوزاري والحصص الوزارية، إلا أن أسبابه الأخرى خارجية بامتياز وهو أمر يسيء من جديد إلى لبنان وسيادته واستقلاله وحرية قرارته .
 

في أيار الماضي وعقب انتهاء الاستحقاق الإنتخابي وعلى ضوء نتائج الإنتخابات النيابية كلّف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة وفقا للاستشارات النيابية التي تلت الإنتخابات. وأعلن الحريري حينها أنه سينكب على تشكيل حكومة وفاق وطني ويمد اليد لجميع المكونات، فيما قال الرئيس نبيه بري أنها ستكون حكومة موسعة. استبشر اللبنانيون خيرا بانطلاق عجلة المؤسسات الدستورية وعودة الحياة السياسية إلى البلاد بعد الإنتخابات النبيابية. بعد مضي ثلاثة أشهر على التكليف لا تزال البلاد تحت وطأة التأخير والمماطلة، وتحت وطأة السجالات والصراعات على الحصص والوزارات، فيما كل فريق أو سياسي يراهن على معطيات خارجية حينا وداخلية أحيانا، فذهبت البلاد إلى الأسوأ على كل المستويات وبقي لبنان ضحية الكيدية السياسية وضحية الرهانات السياسية على الخارج وضحية الإملاءات من هنا أو هناك، حتى بات الوطن كله مجرد ألعوبة بيد الساسة والأحزاب وبعض صبيان السياسة الذين يمعنون في تشتيت البلد والخروج على الثوابت الوطنية التي تضمن دائما وحدة لبنان وعيشه المشترك. إن مصلحة لبنان مع هذه الطبقة السياسية باتت خارج الإهتمامات فذهبت عيون المسؤولين وإهتمامتهم إلى الرهانات الخارجية لتحسين المكاسب السياسية الداخلية، وكل ذلك طبعا على حساب لبنان الذي يدفع وحده مع شعبه ومواطنيه ضريبة التأخير في تشكيل الحكومة والإنطلاق إلى معالجة الملفات المعيشية والإقتصادية التي باتت ترهق كاهل المواطن أكثر فأكثر. إن الإستمرار في إبقاء لبنان رهينة التطورات الخارجية هو خيانة جديدة لكل مواطن لبناني، وهو إهمال متعمد لمصالح لبنان على حساب المحاور الإقليمية ومصالح الدول الأخرى، وهو يؤكد من جانب آخر على أن سياسيينا هم مجرد أدوات في لعبة الأمم الممتدة من اليمن الى العراق إلى سوريا إلى لبنان. إن التأخير الحاصل في تشكيل الحكومة في بعض أسبابه هو تأخير داخلي ربما يكون مبررا  على قاعدة التوزيع الوزاري والحصص الوزارية، إلا أن أسبابه الأخرى خارجية بامتياز وهو أمر يسيء من جديد إلى لبنان وسيادته واستقلاله وحرية قرارته . وإن التعامل مع الشؤون الداخلية اللبنانية وإعادتها من جديد إلى محاور الصراع الإقليمي والمصالح الخارجية هو مخالفة جديدة ترتكب بحق لبنان بعد خروجه لسنوات من سطوة الدول الأخرى التي لم تتعامل مع لبنان إلا وفق مصالحها وأجنداتها، وإن المطلوب اليوم من أمراء السياسة والأحزاب والمسؤولين العودة إلى مسؤولياتهم الوطنية والتعامل مع لبنان ككيان مستقل خارج الحسابات الخارجية وخارج التطورات الإقليمية والمبادرة فورا إلى معالجة المأزق الحكومي وفق الحسابات اللبنانية وحدها