رهام سيدة أردنية وُلدت من دون رحم، وكبرت وتعايشت مع حالتها برغم العذاب النفسي الذي كان دائماً يطاردها. لم يمنعها وضعها من الزواج، الّا أنّ قساوة الحرمان كانت صعبة جدّاً، فالأمومة حلم كل امرأة. وبرغم فشل كل المحاولات والعلاجات الطبية التي خضعت لها لم تفقد الأمل، بل وجدته وحققته هنا في لبنان. فهل أصبحت عملية زراعة الرحم متوفّرة للجميع؟
 


مئة ألف حالة عقم، هو عدد السيدات غير القادرات على الإنجاب بسبب عدم وجود الرحم، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا.

إبتكار جديد

وتعتبر عملية زرع الرحم ابتكاراً جديداً فريداً من نوعه، وهو قيد التقييم والتطوير وسيغيّر حياة العديد من النساء. في هذا الإطار، وتحديداً في مستشفى مركز بلفو الطبي، تمّ الإعلان عن نجاح اول عملية زرع رحم في لبنان ضمن برنامج بحث علمي، أجراها فريق طبي لبناني بالتعاون مع فريق طبي سويدي متخصّص، ما شكّل بارقة أمل للبنان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، ونجاح هذه العملية وضعت لبنان في قائمة البلدان العشرة عالمياً التي تعيد الأمل للنساء غير القادرات على الإنجاب.

إنجاز تاريخي

في هذا السياق، كان لـ»الجمهورية» حديث خاص مع المدير الطبي ونائب الرئيس عن الشؤون الطبية في المستشفى البروفسور غسان معلوف، الذي استهلّ حديثه قائلاً: «قمنا بإنجاز تاريخي طبّي مهمّ في لبنان، حتّى أننا سبقنا بريطانيا في هذا المجال التي أعلنت انها ستقوم بهذا البحث في السنة المقبلة. ويمكنني القول إنّ العملية تمّت بشكل رائع بين الفريق اللبناني والفريق السويدي الذي بُهر بكفاءة الأطباء اللبنانيين ومهارتهم».

الشقّ النفسي

العملية التي تندرج ضمن برنامج بحث علمي، تعيد الأمل للواتي لا يملكن رحماً إمّا لأنهنّ وُلدن كذلك او تمّ استئصال رحمهنّ لسبب طبّي معيّن. فما هي مراحل هذه العملية؟ يشرح د. معلوف أنّ «الشق النفسي مهم جدّاً في هذه العملية، لذلك تخضع المتلقّية والواهبة الى التقييم النفسي، وفي حال فشلتا فيه لا يمكن حينها المباشرة بالعملية.

فمن الضروري أن نتأكد دائماً من أنّ المريضة لا تعاني من مرض نفسي وأنها مستقرة نفسياً. كما أنه في حال كانت الأم هي الواهبة قد يؤدي ذلك الى اضطراب العلاقة بينها وبين أمها ما يفسّر أهمية المتابعة النفسية بعد العملية للمحافظة على علاقة سليمة بين الاثنتين.

من جهة أخرى، يجب الخضوع لعدد من الفحوصات قبل العملية للتأكد من عدم رفض الجسم للعضو المتبرّع لاحقاً، فيخضع المريض لفحوصات الدم للتأكّد من تناسق الفئات إضافةً الى الفحوصات المخبرية والشعاعية، خصوصاً أنّ أهم خطوة في العملية هو كيفية وصل الشرايين والاعصاب، ما يحتّم التأكّد من حجمها ومن طريقة وصلها».

الدورة الشهرية والتلقيح

إستغرقت عملية استئصال الرحم من الواهبة حوالى 12 ساعة وزراعته 6 ساعات، كما خضعت المتلقّية للمراقبة مدة شهر للتأكد من عدم حصول أي مضاعفات على أمل أن تستتبع المرحلة القادمة بالتلقيح الصناعي (IVF) بعد 9 أشهر، يليها حمل وولادة سليمة. ويعتبر العمر الأنسب للقيام بهذه العملية 38 كحدّ أقصى للمتلقّية ودون الـ 60 للواهبة، وقد تمنع بعض الأمراض الخضوع لها لا سيما أمراض الدم والسرطانات.

وعمّا اذا كانت العملية تحمل المضاعفات الخطيرة على صحة المتلقّية، قال د. معلوف: «لا يوجد خطر على حياة المريضة، والعوارض الجانبية لهذه العملية هي تماماً كالعوارض الجانبية المحتملة لأيّ عمل جراحي آخر، وقد تكون الالتهابات من أخطر الامور التي يمكن مواجهتها، لذلك نعزل المريضة في غرفة مخصّصة لهذا الغرض.
في المقابل، يعطي الفريق الطبي المريضة الادوية المناسبة حسب كل حالة للحدّ من رفض الجسم للرحم».

واضاف: «بعد شهر من انتهاء العملية التي اجريناها للسيدة الاردنية، أتت الدورة الشهرية للمرة الاولى في حياتها، وهذا كان فرح عظيم لها ولكلّ الفريق الطبي، لأنه يعني اننا نسير على النهج الصحيح. وستستتبع المرحلة المقبلة بالتلقيح الاصطناعي (IVF) لذلك أخذنا 8 بويضات من المتلقية وتأكدنا من جودتها، وكذلك الامر بالنسبة لزوجها الذي حصلنا منه على السائل المنوي وقمنا بتجميدهما (Freezing)، لنلقّحها بعدها حيث ستتمكن من الولادة بعد 9 اشهر، اذا نجح التلقيح من المرّة الاولى».
خطر على الطفل؟

ولدى سؤالنا الدكتور معلوف إذا كان يمكن للمتلقية أن تلد طبيعياً أو قيصرياً من دون مواجهة اي مشكلة، وإذا كان هناك خطر على الطفل عند الولادة؟ أجاب: «بعد نجاح حوالى 15 ولادة نتيجة زراعة الرحم، لم تسجل اي مشكلة على الاطفال او اي حالات تشويه، فالولادة آمنة على الام وطفلها. وتجدر الاشارة الى أنه حتى اليوم لا يمكن للحمل ان يتكرر اكثر من مرتين فقط، وتحتفظ المرأة بالرحم طيلة الفترة اللازمة التي تتيح لها إمكانية الإنجاب ليتمّ نزعه بعدها وتجنيبها بالتالي أخذ أدوية كابتة للمناعة على المدى الطويل».

الكلفة
ما زالت كلفة هذا الاجراء مرتفعة جدّاً في العالم اجمع لا سيما انها ما زالت ضمن برنامج البحث العلمي، الذي نأمل بعد انتهاء هذا البحث أن تنخفض كلفته خصوصاً مع مساعدة وزارة الصحة والجهات الضامنة. وشدّد د. معلوف «على أهمية التمسّك بالاخلاقيات وعدم المساومة عليها، لذلك نحن نرفض أن يتمّ التبرّع من اي شخص إلّا اذا كان قريب المريضة»، خاتماً «طالما هناك حياة هناك أمل، اضافةً الى التطوّر المستمرّ في هذا المجال والذي كان حديثاً عملية زراعة الرحم التي أعطت الأمل لجميع نساء الشرق الاوسط، وخصوصاً اللبنانيات منهنّ».