هل صحيح أنّ الرئيس سعد الحريري «إنقلب» على التسوية كما يصرّ فريق 8 آذار على تصويره في الأيام الأخيرة؟ وهل سيكون الردُّ عليه بتصعيد موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بحيث يرفض «في إطار صلاحيّاته الدستورية»، وإلى ما لا نهاية، كلَّ الصيَغ الحكومية التي يقدّمها إليه الرئيس المكلَّف بهدف إحراجه و... إخراجه؟
 

هناك مَن بدأ يتحدّث عن احتمال سقوط تسوية 2016، ويسأل: ماذا بقي منها أساساً ما دام بعض اللاعبين يعود إلى القواعد التي انطلق منها قبل التسوية:

الحريري يتقارب مجدّداً مع جعجع ويبتعد نسبياً عن عون و»التيار الوطني الحرّ»، وجعجع و»التيار» يتباعدان مجدّداً، وفريق 8 آذار يشنّ الحملات على الحريري وحلفائه متّهماً إيّاهم بالانخراط في «حملة سعودية - أميركية ضد المقاومة».


يقول البعض إنّ تسوية 2016 التي جاءت بعون إلى بعبدا والحريري إلى السراي الحكومي قامت على تسويتين فرعيّتين:


1- إتّفاق الحريري مع «حزب الله» (بالواسطة) على تسليم حلفائه رئاسة الجمهورية والتعاون معهم في الحكومة، من دون فتح الملفات الساخنة كالسلاح والمشارَكة في القتال في سوريا وقرار الحرب والسلم.


2- «إتّفاق معراب» الذي رضخ فيه جعجع لخيار تسليم عون رئاسة الجمهورية، في مقابل «تعويض» في الحصص والحقائب الوزارية.


واليوم، هناك تدهورٌ في وضعيّة كل من الاتّفاقين. ولذلك، ليس مستغرَباً أن يتطوَّر المنحى السلبي تصاعدياً حتى تسقط التسوية تماماً، وتنشأ قواعد تسوية جديدة قوامها أركان جدُد للسلطة، ويتمّ خلالها إضعافُ الثنائي الحريري - جعجع (14 آذار) وتجري الاستعانة ببديل لرئاسة الحكومة.


القريبون من الرئيس المكلّف يقولون إنّ هناك إمعاناً مقصوداً من جانب قوى 8 آذار في تصوير الجوانب السلبية بهدف ممارسة الضغوط، فيما حقيقة الأمور ليست بهذا السوء. فالتكليفُ لا يزال في شهره الثاني، وهذا طبيعي في بلدٍ كلبنان. وفي العادة، يستغرق التأليفُ أشهراً، ولم يكن أحد يتحدث عن مأزق، في الشهر الثاني، مثلما يتحدثون اليوم!


ويضيف القريبون من الحريري: لماذا يستعجلون التأليف إلى هذا الحدّ ويُظهِرون الحرص على ولادة الحكومة باكراً، فيما هم لا يتواضعون ولا يقدّمون الحدّ الأدنى من التنازلات في سبيل ذلك؟ وأساساً هم استمرّوا في تكريس فراغ رئاسي على مدى نحو عامين ونصف عام من دون أن يرفّ لهم جفن. ويبدو اليوم أنّ وراء الأكمة ما وراءها...


ويعتقد المتابعون لمجريات التأليف أنّ هناك تصعيداً مقصوداً من الجانبين: الحريري يرفع السقفَ لإفهام القوى العربية والدولية أنه لم يهمل حلفاءَه الآذاريين ولم يتهاون مع «حزب الله». كما أنّ «الحزب»، من خلال عون و»التيار»، يريد أن يرسمَ له الضوابط.


لكنّ هؤلاء المتابعين يُبدون تفاؤلاً في نهاية سعيدة للأزمة. ويقول أحد المعنيّين بالاتّصالات الجارية: «التسوية التي أُبرِمت في نهايات 2016 ليست عرضةً للموت حالياً. إنها بـ7 أرواح»، ويعدّد «الأرواح» ممازِحاً:


1 - روح التسوية عند الحريري الذي إذا خرج اليوم من الحُكم خسر كل ما حقّقه منذ عودته إلى لبنان، حتى على مستوى الزعامة السنّية وقيادة تيار»المستقبل».
2 - روح التسوية لدى عون والوزير جبران باسيل اللذين لن يجدا سنّياً أكثرَ ليونة في التعاطي معهما من الحريري، حتى في صفوف 8 آذار.
3 - روح التسوية عند الثنائي الشيعي الذي يريد من خلال الحريري استيعابَ الخصوم و»تذويبهم» في المسار المطلوب.
4 - روح التسوية عند الدكتور سمير جعجع الذي يحقّق أوسعَ تمثيل في الحكومة والمجلس النيابي.
5 - روح الاحتماء بالتسوية لدى وليد جنبلاط.
6 - روح التسوية لدى المملكة العربية السعودية التي لا ترى بديلاً منها لربط النزاع بينها وبين إيران على الساحة اللبنانية.
7 - روح التسوية لدى إيران بهدف إمرار التحدّيات التي ستكون أكثرَ شراسةً ضدها في لبنان وسائر الشرق الأوسط، خلال المرحلة المقبلة.


وهكذا، تتمتع التسوية بحظّ العيش حتى انتهاء ولاية عون… إلّا إذا وقعت مفاجآتٌ انقلابية على المستوى الإقليمي من شأنها ضرب أحد القطبين الإقليميَّين، إيران والسعودية، وهذا أمرٌ مستبعَدٌ جداً. والأرجح أنّ الخيارات الإقليمية التي يسعى الأميركيون والإسرائيليون إلى تنفيذها تأخذ في الاعتبار مكاناً مميَّزاً للمملكة في صوغ مستقبل المنطقة سياسياً واقتصادياً.


كما أنّ أحداً لن يكون قادراً على «مسح» الدور الإيراني نهائياً في الشرق الأوسط. والتحدّيات بين طهران وواشنطن قد تنتهي بتقليم أظافر الجمهورية الإسلامية في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين.


وكذلك ستؤدّي المساومة بين إيران وروسيا إلى رسم حدود للإيرانيين في سوريا، ما يؤدّي إلى زوال «فائض النفوذ». لكنّ حضور طهران الإقليمي محفوظٌ بالحدّ الأدنى من خلال حلفائها الأقوياء من بغداد الى دمشق فبيروت.


ولذلك، يجزم العالمون بأن لا خوفَ على التسوية التي تمّت في نهايات 2016، ولا على التزام المعنيّين بها. وتالياً، إنّ موجة التنافر التي تضرب اليوم ملفّ التأليف الحكومة ستنحسر. وقد تستمرّ المماطلة لبعض الوقت، ريثما تنضج بعض المعطيات السياسية المنتظرة، لكنّ الجميعَ مدركٌ طريقه وواثقٌ من نفسه… ومن خصومه أيضاً!