راحت سكرة التكليف وجاءت فكرة التأليف وتعقيداته ومعضلاته وحصصه السياسية ومحاذيرها، والتي سيبدأ الرئيس المكلف سعد الحريري مواجهتها من خلال الاستشارات النيابية التي سيجريها اليوم في مجلس النواب حيث سيستمع الى مطالب الكتل النيابية وطموحاتها في التمثيل في الحكومة التي يعتبرها البعض حكومة العهد الأولى.

من اليوم يبدأ الجدّ، بعد نهاية عطلة الاسبوع التي حفلت بالتكهنات والاجتهادات حول الحصة الوزارية لكل تيار سياسي، وتوزيع الحقائب السيادية، والحقائب الأساسية والخدماتية التي يتنازع عليها الجميع، حيث إنشغل اللبنانيون بتشكيلة إنتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، قبل أن يتبين أنها من بنات أفكار بعض المحللين، من دون أن يكون لها أي علاقة بأصحاب القرار.

من اليوم يبدأ الرئيس المكلف بتسجيل ملاحظاته، وهو يدرك بأن مهمته لن تكون سهلة، وأن تشكيل الحكومة بالرغم من رغبة كل القوى السياسية اللبنانية بسرعة إنجازها سيكون دونها عراقيل جمة ستحتاج الى كثير من الوقت لتذليلها، وهي ربما تصل الى طريق مسدود، إلا إذا كان هناك قرارا كبيرا جدا بأن تبصر الحكومة النور، من شأنه أن يدفع كل التيارات السياسية الى الزهد في الحصص والحقائب الوزارية.

أولى هذه المعضلات هو الصراع المتنامي بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، والذي ترجم بقصف “تويتري” على كل الجبهات تناوب على إطلاق حممه السياسية الوزيران جبران باسيل وسليم جريصاتي من جهة التيار، والوزير ملحم رياشي والنائب السابق فادي كرم من جهة القوات، وربما يدرك الرئيس المكلف أن أولى مهماته ستكون في محاولاته تقريب وجهات النظر بين الفريقين وهو أمر يراه بعض المراقبين أنه بالغ الصعوبة في ظل سعي باسيل الى محاصرة القوات التي لا تستطيع أن تستوعب كيف يكون لديها سابقا ثمانية نواب وتمثل بثلاثة وزراء بحقائب أساسية إضافة الى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير مقرب منها هو ميشال فرعون، وكيف يصبح لديها 15 وزيرا وتقتصر حصتها على ثلاثة وزراء فقط من دون حقيبة سيادية أو منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، وربما هذا ما دفع الدكتور سمير جعجع الى زيارة قصر بعبدا من دون موعد مسبق، ولقائه رئيس الجمهورية لدعوته الى ضرورة الحفاظ على تفاهم معراب، وعلى تمثيل القوات وفق حجمها الجديد في مجلس النواب.

لا شك في أن الحريري سيجد نفسه بين “سندان” إلتزامه وتحالفه الكاملين مع العهد ومع جبران باسيل، وبين “مطرقة” القوات التي تضغط عليه سعوديا، علما أنه في حال خرجت القوات من الحكومة وإتجهت نحو المعارضة فإن تيار المستقبل سيكون الوحيد من فريق 14 آذار في حكومة تمتلك قوى 8 آذار وحلفاؤها فيها الأكثرية المطلقة، بعدما أبعدت الانتخابات النيابية كل المستقلين المنتمين الى ثورة الأرز.

هذا من جهة الثنائي المسيحي، أما من جهة حزب الله الذي يسعى الى أن يُمثل بثلاث وزارات من بينها وزارة مستحدثة للتخطيط، فإن الأمر قد يتخذ منحى أكثر خطورة من حيث جدية فرض عقوبات خارجية على لبنان في حال جرى تمثيل الحزب في الحكومة، وهذا أمر يقع على عاتق الرئيس المكلف الذي عليه أن يستشرف الوضع دوليا وإقليميا، وأن يجد مخرجا لهذه المعضلة، خصوصا أن لبنان في وضعه الراهن لا يستطيع أن يتحمل أية عقوبات يمكن أن تفرض عليه، إلا إذا كانت العقوبات الجديدة كسابقاتها لا دخل للتمثيل الحكومي بها.

ولن تخلو مهمة الحريري من عُقد أقل حجما، لجهة إصرار وليد جنبلاط بحصر التمثيل الدرزي باللقاء الديمقراطي، في وقت يرغب فيه التيار الوطني الحر بتوزير النائب طلال أرسلان، إضافة الى كيفية تعاطي الحريري مع التنوع السني المستجد الذي أفرزته الانتخابات النيابية، وبالدرجة الأولى كيفية إرضاء الرئيس نجيب ميقاتي في ظل إعتراف الحريري خلال لقائه البروتوكولي معه بأنه “خير من يمثل طرابلس والشمال”، ومن ثم كيفية تعاطيه مع النواب السنة المستقلين في حال طلبوا تمثيلهم، وإقناع “التكتل اللبناني المستقل” بتمثيلهم بوزارة واحدة.

يقول بعض المطلعين: إن التفاؤل بولادة الحكومة بشكل سريع من دون عراقيل، ربما يكون مبالغ فيه كونه ليس من المنطق أن يحصل ذلك في ظل الانقسامات العامودية الحاصلة لا سيما على الصعيد المسيحي، أو لجهة العقوبات التي تهدد لبنان حيال مشاركة حزب الله في الحكومة.

ويخشى هؤلاء من أن يكون المعنيون بالتشكيل يدفنون رؤوسهم في الرمال مثل “النعامة” لكي لا يروا المشهد على حقيقته، أو أن يكون ثمة تواطؤ فيما بينهم لرفع السقوف والتهويل على اللبنانيين، ومن ثم تمرير الأمور من تحت الطاولة لتحقيق إنجاز تشكيل الحكومة.